كُتاب الرأي

*ما الذي كشفته الأباتشي؟*

*ما الذي كشفته الأباتشي؟*

*رؤية تحليلية* .

*تحولت حادثة إسقاط مروحية أمريكية من طراز AH-64 Apache قرب مضيق هرمز إلى واحدة من أكثر أحداث الحرب الأمريكية ـ الإيرانية الراهنة تداولاً خلال الساعات الماضية. وتتجاوز أهمية الحادثة المروحية نفسها إلى ما كشفته من طبيعة المرحلة التي وصلت إليها المواجهة بين واشنطن وطهران.*

*فالمروحية التي سقطت تعد إحدى أكثر منصات الهجوم الجوي تطوراً في العالم، وتبلغ قيمة النسخة الحديثة منها نحو خمسين مليون دولار تقريباً، بينما أشارت المعلومات الأولية إلى ارتباط الحادثة بطائرة مسيرة إيرانية منخفضة الكلفة من عائلة “شاهد”. وقد نجا الطيار ومساعده بعد عملية إنقاذ ناجحة، لتبدو الواقعة للوهلة الأولى وكأنها نجاح تكتيكي محدود ضمن سياق حرب مفتوحة تتبادل فيها الأطراف الرسائل العسكرية بصورة متواصلة.*

*لكن ما لفت الانتباه حقاً لم يكن سقوط المروحية بحد ذاته، بل السؤال الذي أعادت الحادثة طرحه من جديد: كيف لدولة تمتلك هذا الحجم من الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي والقدرات البشرية أن تبقى أسيرة دوامة متكررة من الأزمات والتصعيد؟*

*صبيحة هذا اليوم جاء الرد الأمريكي سريعاً، مستهدفاً مواقع وقدرات مرتبطة بالمنظومة الإيرانية المعنية بإدارة ومراقبة المجالين الجوي والبحري. ولم يكن الهدف العسكري المباشر هو الرسالة الوحيدة المقصودة من تلك الضربات، بل بدا أن واشنطن أرادت التأكيد على أن استهداف الأصول الأمريكية المأهولة في محيط مضيق هرمز سيظل مرتبطاً بكلفة مقابلة، وأن حرية عمل قواتها في هذه المنطقة الحيوية ما زالت تمثل جزءاً ثابتاً من معادلة الردع الأمريكية.*

*وبذلك تحولت الأباتشي من حادثة ميدانية محدودة إلى مؤشر على طبيعة المرحلة الجديدة من الحرب، حيث أصبحت الرسائل السياسية المصاحبة للعمليات العسكرية لا تقل أهمية عن العمليات نفسها.*

*ومن هنا تبدأ الدلالة الأوسع للحادثة.*

فالحروب الطويلة تصل عادة إلى مرحلة تتراجع فيها أهمية الحدث العسكري المنفرد، بينما ترتفع أهمية الرسائل السياسية التي يحملها. وقد لا يغير إسقاط مروحية واحدة ميزان القوى، كما أن الرد اللاحق لا يغير بدوره حقائق الجغرافيا أو التوازنات الكبرى، غير أن التفاعل بين الحدث والرد يكشف الكثير عن طبيعة الصراع نفسه وعن الحدود التي يحاول كل طرف فرضها على الطرف الآخر.

وخلال العقود الماضية بنت إيران جزءاً مهماً من استراتيجيتها الإقليمية على استخدام أدوات غير متماثلة قادرة على إرباك خصومها ورفع كلفة المواجهة عليهم. وقد نجحت هذه المقاربة أحياناً في تحقيق تأثيرات تكتيكية لافتة، لكنها واجهت صعوبة متكررة في التحول إلى مكاسب استراتيجية مستدامة. فالأحداث العسكرية العابرة تستطيع جذب الاهتمام وفرض حضورها على العناوين الرئيسية، لكنها لا تكفي وحدها لتغيير الحقائق الاقتصادية أو السياسية أو الجيوسياسية التي تحكم توازنات المنطقة.

وتبدو هذه المفارقة أكثر وضوحاً عند النظر إلى إيران نفسها. فالدولة التي تمتلك واحداً من أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، وموقعاً جغرافياً يربط الخليج العربي بآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية، وقاعدة بشرية وعلمية واسعة، أمضت جزءاً كبيراً من العقود الماضية في إدارة أزمات متلاحقة مع محيطها الإقليمي والمجتمع الدولي. وفي كل مرة كان التوتر العسكري يفرض نفسه على المشهد، كانت الأسئلة المتعلقة بالتنمية والاستثمار والاستقرار الاقتصادي تعود للظهور من جديد دون إجابات حاسمة.

ولهذا تبدو حادثة الأباتشي، بكل ما أحاط بها من اهتمام إعلامي وعسكري، أقرب إلى نافذة تكشف طبيعة المعضلة أكثر من كونها حدثاً يغير مسار الحرب. فالمروحية التي سقطت لم تغير الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة، والرد الذي أعقبها لم يغير الجغرافيا السياسية للخليج العربي، ومضيق هرمز بقي كما كان واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم. أما الذي ارتفع فعلياً فهو مستوى التوتر في منطقة يدرك جميع أطرافها أن تكلفة الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تكون أكبر بكثير من المكاسب التي يمكن تحقيقها من أي نجاح تكتيكي منفرد.

ومن هذه الزاوية تحديداً تكشف الحادثة أن الحرب الراهنة دخلت مرحلة أصبحت فيها القرارات السياسية أكثر أهمية من الأسلحة نفسها. فالسلاح يستطيع إسقاط هدف أو تدمير موقع أو توجيه ضربة مؤثرة، لكنه لا يستطيع وحده تحويل ذلك إلى مكسب استراتيجي دائم. وهذه هي المعضلة التي واجهت كثيراً من الصراعات الطويلة عبر التاريخ، وهي أيضاً المعضلة التي ما زالت تفرض نفسها على المشهد الحالي.

*وربما لا تكون الأباتشي هي القصة الحقيقية في النهاية. فالمروحيات يمكن تعويضها، والضربات يمكن الرد عليها، والحوادث العسكرية ستبقى جزءاً من أي صراع مفتوح. أما ما يصعب تعويضه فهو الفرص الضائعة. وتلك هي المفارقة التي تكشفها الحادثة بوضوح؛ فبينما انشغل العالم بمروحية سقطت فوق مياه مضيق هرمز، بقي السؤال الأكبر معلقاً فوق إيران نفسها: كم فرصة أخرى يمكن أن تخسرها دولة تملك كل مقومات القوة، بينما يواصل نظامها الاستثمار في الأزمات أكثر من الاستثمار في المستقبل؟ .*

كتبه :
اللواء البحري الركن م.
عبدالله بن سعيد الغامدي

10 يونيو 2026م

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.