*حين يتحول الوقت إلى سلاح استراتيجي .*

*حين يتحول الوقت إلى سلاح استراتيجي .*
*رؤية تحليلية استراتيجية .*
*منذ أشهر يتابع العالم حركة السفن في الخليج العربي، وتصريحات القادة، ومسارات التفاوض المتعاقبة بين واشنطن وطهران. غير أن العنصر الأكثر تأثيرا في الأزمة الحالية لا يظهر على شاشات الرادار، ولا يشارك في الاجتماعات السياسية، ولا يصدر البيانات الرسمية. إنه ( الوقت )؛ ذلك اللاعب الصامت الذي يتحرك في الخلفية، ويعيد تشكيل حسابات جميع الأطراف يوما بعد يوم.*
تتقدم الأزمة الأمريكية ـ الإيرانية اليوم نحو مساحة شديدة الحساسية، عنوانها الظاهر الاتفاق، وجوهرها الحقيقي ( اختبار القدرة على تحمل الزمن ). فواشنطن تشترط اتفاقا يستوفي خطوطها الحمراء، وطهران تراهن على إطالة المسار التفاوضي، بينما تقف أسواق الطاقة والملاحة الدولية أمام معادلة لا تحتمل كثيرا من الغموض.
وتشير المعطيات والتقديرات الدولية المتداولة إلى تفاهم محتمل لتمديد التهدئة لمدة ( 60 ) يوما، لكنه لم يتحول بعد إلى قرار نهائي مكتمل. وهذا يعني أن الأزمة ما زالت تتحرك داخل ( المنطقة الرمادية ) بين الضغط والتسوية، وبين وقف التصعيد واستئناف أدوات الردع، وبين الرغبة في الاتفاق والخوف من كلفته السياسية.
تدرك واشنطن أن أي اتفاق لا يعالج جوهر البرنامج النووي الإيراني، ولا يضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز، ولا يحد من قدرة طهران على استخدام الوقت للمراوغة، سيبدو اتفاقا ناقصا. ولهذا يصر البيت الأبيض على أن الرئيس الأمريكي لن يمضي في أي تفاهم لا يحقق شروطه الأساسية.
وفي المقابل، يتحرك النظام الإيراني وفق نمط تفاوضي معروف، يقوم على تجزئة الملفات، وإطالة الجولات، ورفع سقف المطالب، وتحويل كل بند إلى مساحة مساومة جديدة. غير أن هذا الأسلوب لم يعد يمنح طهران هامشا مريحا كما كان في السابق، لأن ( كلفة الوقت ) نفسها أصبحت ترتفع اقتصاديا وسياسيا واستراتيجيا.
الأرقام هنا لا تقل أهمية عن التصريحات. فمضيق هرمز يظل أحد أخطر نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره ما يقارب ( 20% ) من استهلاك النفط العالمي، ونحو ( 20% ) من تجارة الغاز الطبيعي المسال. لذلك لا يمثل أي اضطراب في هذا الممر أزمة إقليمية محدودة، بل ( تهديدا مباشرا لأمن الطاقة العالمي ) وسلاسل الإمداد وثقة الأسواق.
أما في الجانب الإيراني، فتظهر الضغوط الاقتصادية بصورة أكثر وضوحا. فالتقديرات الدولية تشير إلى احتمال انكماش الاقتصاد الإيراني بنحو ( 6.1% ) خلال عام ( 2026م )، مع تضخم قد يقترب من ( 68.9% ). وهذه أرقام تجعل الرهان على الصبر الطويل أقل اطمئنانا، وتكشف أن المماطلة لا تنتج دائما مكاسب، بل قد تتحول إلى استنزاف داخلي متدرج.
ويضاف إلى ذلك أن الملف النووي لم يعد ملفا فنيا محدودا، بعد الحديث عن مخزون إيراني يقارب ( 440 كيلوجراما ) من اليورانيوم عالي التخصيب. وهذا الرقم وحده يفسر تشدد واشنطن، ويجعل أي اتفاق لا يتعامل مع هذا المخزون عرضة للتآكل السريع وفقدان الثقة الدولية.
ومن هنا تبدو الأزمة الحالية كأنها ( سباق بين إرادتين )؛ إرادة أمريكية تريد تحويل الوقت إلى أداة ضغط، وإرادة إيرانية تريد تحويل الوقت إلى مساحة مناورة. غير أن المفارقة أن الزمن قد لا يبقى حليفا لأي طرف؛ فكل يوم إضافي يضيف عبئا على واشنطن في الأسواق والسياسة، ويضيف عبئا على طهران في الاقتصاد والشرعية والقدرة على المناورة.
*ويتحمل النظام الإيراني مسؤولية مركزية في الوصول إلى هذه المرحلة، نتيجة عقود من ( السياسات الثورية الهجومية )، وتوسيع نفوذ الأذرع الإرهابية المسلحة، وتهديد أمن الملاحة الدولية، وإرباك الجوار الإقليمي، و( إطالة مسارات التفاوض دون إنتاج تسوية مستقرة ). فالأزمة الراهنة ليست وليدة خلاف تفاوضي عابر، بل حصيلة تراكم استراتيجي صنعته طهران بسلوكها قبل أن تحاول اليوم الهروب من كلفته.*
*لذلك فإن السؤال الأهم لم يعد: هل يوقع الطرفان اتفاقا قريبا؟.*
*بل:*
*( هل يستطيع أي طرف أن يواصل الرهان على الوقت دون أن يتحول الوقت نفسه إلى عبء استراتيجي عليه؟ فالزمن في الأزمات الكبرى لا يكتفي بالمرور، بل يختبر صلابة الدول، ويكشف حدود قدرتها على الانتظار، ويفضح الفرق بين ( الصبر الاستراتيجي ) و ( المماطلة المكلفة ).*
*( الوقت لا ينتصر لأحد… لكنه يكشف دائما من كان يراهن عليه أكثر مما ينبغي ).*
كتبه:
اللواء البحري الركن / م.
عبدالله بن سعيد الغامدي
*السبت ( 30 ) مايو 2026م .*


