حين تختبر الهدنة حدود الثقة الاستراتيجية

حين تختبر الهدنة حدود الثقة الاستراتيجية
رؤية تحليلية استراتيجية
يسرني في مستهل هذا المقال أن أرفع أصدق التهاني والتبريكات إلى مقام خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين، وإلى الشعب السعودي الكريم، وإلى الأمتين العربية والإسلامية، بمناسبة عيد الأضحى المبارك، سائلاً الله أن يعيده على الجميع بالأمن والاستقرار والسلام والرخاء.
أعادت الاتهامات الإيرانية الأخيرة لواشنطن بانتهاك وقف إطلاق النار، بالتزامن مع الاجتماع الحكومي الأمريكي النادر في كامب ديفيد، طرح سؤال استراتيجي مهم: هل تواجه الهدنة اختبارها الأصعب منذ إعلانها، أم أن الطرفين يهيئان المسرح لمرحلة تفاوضية جديدة تحت مظلة الردع والضغوط المتبادلة؟
تكشف القراءة الأولية للمشهد أن القضية تتجاوز تفاصيل حادث ميداني محدود أو تبادل اتهامات سياسي عابر. فالتوقيت، وطبيعة الاتهامات، ومستوى التحركات السياسية الأمريكية، جميعها تشير إلى دخول الأزمة مرحلة مراجعة استراتيجية شاملة تتعلق بمستقبل الهدنة، وحدود الردع، وآفاق التسوية المحتملة.
تجمع مراكز الدراسات والأبحاث الاستراتيجية الدولية على أن الهدن العسكرية لا تمثل نهاية للصراعات، بل تشكل مرحلة انتقالية تعيد خلالها القوى المتنافسة بناء حساباتها الاستراتيجية، وإعادة تقييم قدراتها ونواياها، واختبار متانة تحالفاتها، استعدادًا للانتقال إلى تسوية سياسية أكثر رسوخًا واستدامة، أو إلى جولة جديدة من التنافس والتصعيد.
ومن هذا المنطلق تبدو الهدنة الراهنة أقرب إلى مرحلة لإعادة التموضع السياسي والعسكري منها إلى اتفاق نهائي لإنهاء الأزمة. فواشنطن لا تزال تحافظ على مستويات مرتفعة من الجاهزية العسكرية في الخليج العربي ومحيطه، وتواصل مراقبة الممرات البحرية ومنشآت الطاقة وخطوط الإمداد الدولية، انطلاقًا من قناعة راسخة داخل دوائر الأمن القومي الأمريكي بأن جذور الأزمة لم تعالج بصورة نهائية، وأن أي تراجع مبكر في مستوى الردع قد يسمح بعودة مصادر التهديد من جديد. كما أن استمرار الانتشار البحري والجوي الأمريكي يمنح واشنطن قدرة عالية على الاستجابة السريعة وفرض الردع، مع المحافظة على أمن الملاحة الدولية وحماية البنية التحتية الحيوية للطاقة والتجارة العالمية.
في المقابل، يسعى النظام الإيراني إلى إستثمار فترة التهدئة لتخفيف الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية المتراكمة عليه، وإعادة ترتيب بعض قدراته المتضررة، وتحسين موقعه التفاوضي قبل الدخول في أي مرحلة سياسية جديدة. وتبدو طهران حريصة على تجنب مواجهة واسعة النطاق في هذه المرحلة، لكنها في الوقت ذاته تسعى إلى منع ترجمة الضغوط العسكرية الأخيرة إلى مكاسب سياسية دائمة للطرف الآخر.
أما على مستوى النوايا الاستراتيجية، فتبدو واشنطن معنية بالحفاظ على مكاسب الردع التي حققتها خلال المواجهة الأخيرة، ومنع إعادة بناء القدرات التي ترى أنها تشكل تهديدًا للملاحة الدولية والأمن الإقليمي، بينما تركز طهران على كسر الضغوط واستعادة هامش المناورة السياسي وتحسين شروط التفاوض المستقبلية. ولهذا السبب لا يزال كل طرف ينظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها جزءًا من الصراع أكثر من كونها بداية لسلام مستدام.
ولم تنشأ أزمة الثقة الحالية نتيجة التطورات الأخيرة وحدها، بل جاءت حصيلة سنوات طويلة من الأزمات الإقليمية، ودعم الجماعات الإرهابية المسلحة، واستخدام أدوات النفوذ غير المباشر، وتعثر المسارات التفاوضية، وتكرار دورات التصعيد والتهدئة دون الوصول إلى معالجة جذرية ومستقرة لأسباب التوتر. ولهذا السبب تنظر دوائر سياسية وأمنية عربية و دولية عديدة إلى الأزمة الراهنة باعتبارها امتدادًا لمسار تراكمي طويل أكثر من كونها نتيجة حادث منفرد أو خلاف مرحلي محدود.
أما اجتماع كامب ديفيد فيحمل دلالات استراتيجية تتجاوز طبيعته التنظيمية المعتادة. فالخبرة السياسية الأمريكية تشير إلى أن الرؤساء يلجؤون إلى هذا الإطار المغلق عندما تتداخل الاعتبارات العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية والدبلوماسية في ملف واحد يحتاج إلى مراجعة شاملة. لذلك يرجح أن الإدارة الأمريكية لا تراجع نتائج المرحلة الماضية فقط، بل تدرس كذلك خيارات المرحلة المقبلة، ومدى فاعلية الضغوط الحالية، وإمكانية الانتقال إلى ترتيبات سياسية أوسع، أو العودة إلى تشديد أدوات الردع إذا تعثرت الجهود الدبلوماسية.
استراتيجيًا، لا تشير المعطيات الراهنة إلى رغبة واضحة لدى أي من الطرفين في الانزلاق نحو حرب شاملة خلال المدى المنظور، لكنها في الوقت نفسه لا تدعم فرضية سلام قريب ومستقر. فالمواجهة انتقلت تدريجيًا من ميدان مسرح العمليات العسكرية إلى ميدان الإرادات السياسية واختبار القدرة على الالتزام بالتفاهمات. وفي مثل هذه البيئات تبقى احتمالات الاحتكاك المحدود والتصعيد المنضبط أعلى من احتمالات الانفراج الكامل.
الخاتمة .
تشير المعطيات الحالية إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال الفترة القريبة يتمثل في إستمرار الهدنة الهشة المصحوبة باحتكاكات محدودة وضغوط تفاوضية متبادلة، مع بقاء احتمالات التصعيد المنضبط أعلى من احتمالات التسوية النهائية. لذلك لم يعد جوهر الأزمة مرتبطًا بحجم القوة العسكرية المتوافرة لكل طرف بقدر ارتباطه بقدرة الأطراف على بناء الحد الأدنى من الثقة الاستراتيجية اللازمة لتحويل التهدئة المؤقتة إلى إستقرار أكثر استدامة.
( الأزمات الكبرى لا تنشأ عندما تعجز الدول عن القتال… بل عندما تعجز عن بناء الثقة التي تجعل السلام ممكنًا ) .
كتبه:
اللواء البحري الركن / م. عبدالله بن سعيد الغامدي
الأربعاء (27) مايو 2026م
الموافق أول أيام عيد الأضحى المبارك 1447هـ.
