*بين مسارين مختلفين .*

*بين مسارين مختلفين .*
*رؤية تحليلية .*
*تسير الحرب الأمريكية ـ الإيرانية الراهنة على مسارين لا يتحركان بالسرعة نفسها. فبينما يندفع الميدان بوتيرة متسارعة تفرضها التطورات العسكرية والتقنية، يتحرك القرار السياسي بخطوات أكثر حذراً تحت وطأة الحسابات الإقليمية والدولية المعقدة.*
وتبدو المنطقة اليوم وكأنها تعيش زمنين مختلفين في آن واحد؛ زمن العمليات الذي يقاس بالدقائق والساعات، وزمن السياسة الذي يقاس بالأسابيع والأشهر. ومن قلب هذه الفجوة تتشكل كثير من ملامح الأزمة الراهنة.
خلال وقت قصير تستطيع الصواريخ والمسيرات والأنظمة السيبرانية أن تفرض معطيات جديدة على الأرض، وأن تدفع الأسواق العالمية إلى التفاعل الفوري مع أي تطور أمني أو سياسي. غير أن القرارات الكبرى المتعلقة بالحرب والتسوية ما زالت تحتاج إلى مشاورات مطولة وتقديرات دقيقة تتجاوز حدود الميدان نفسه.
وتعكس التطورات الأخيرة هذه الحقيقة بوضوح. فالمفاوضات ما زالت قائمة، والاتصالات السياسية مستمرة، والوسطاء يواصلون تحركاتهم بين العواصم المختلفة. وفي المقابل تستمر عمليات الضغط العسكري ومحاولات تحسين المواقع التفاوضية قبل الوصول إلى أي تفاهم نهائي.
ولم تعد الأزمة تعاني من نقص المعلومات أو انقطاع قنوات التواصل. فالمعلومات متدفقة بصورة غير مسبوقة، والتصريحات تتوالى يومياً، والتقارير تتحدث عن احتمالات متعددة لمسار الأزمة. لكن كثرة المعلومات لا تؤدي دائماً إلى تسريع القرار، بل قد تزيد من تعقيده عندما تتداخل المصالح وتتعدد البدائل وتتشابك الحسابات.
وتظهر هذه المفارقة بوضوح في المشهد الراهن. فبينما تتسارع الأنباء حول الاتصالات الأمريكية ـ الإيرانية والخلافات المرتبطة بشروط التسوية وضماناتها، تواصل الأطراف المختلفة استخدام أدوات الضغط السياسية والعسكرية في الوقت نفسه. وكأن الجميع يتفاوض على نهاية محتملة للحرب، بينما يستعد لاحتمال استمرارها.
وتكشف النقاشات الدائرة حول مستقبل المفاوضات ومستوى الضمانات المطلوبة وطبيعة الترتيبات الأمنية الممكنة أن جوهر الأزمة لم يعد يدور حول فتح قنوات الاتصال أو غياب الحوار، بل حول طبيعة النهاية التي يستطيع كل طرف قبولها دون أن يشعر بأنه خسر موقعه أو تنازل عن مصالحه الأساسية.
ولهذا تتكرر الإشارات المتناقضة بصورة شبه يومية. تصريح يحمل ملامح التهدئة، يعقبه موقف أكثر تشدداً. حديث عن تقدم سياسي، يتبعه تأكيد على استمرار الخلافات. وما يبدو تناقضاً في الظاهر قد يكون انعكاساً طبيعياً لحركة مسارين مختلفين لم يلتقيا بعد عند نقطة واحدة.
*ويبقى السؤال الأكثر أهمية: هل ينجح المسار السياسي في الوصول إلى تسوية مستقرة قبل أن تفرض التطورات الميدانية معادلات جديدة أكثر تعقيداً؟*
*فالأزمات الكبرى لا تحسمها سرعة الأحداث وحدها، بل تحسمها قدرة أصحاب القرار على إدراك اللحظة التي يتحول فيها الوقت من عنصر للمناورة إلى عنصر للضغط. فالطريقان قد يبدوان متوازيين زمناً طويلاً، لكن نقطة التقائهما هي التي ترسم ملامح المرحلة التالية.*
*وحين يسبق القرار الحدث تتشكل التسويات، وحين يسبق الحدث القرار تتسع الأزمات وتضيق الخيارات. أما الدول التي تنجح في إدارة الأزمات الكبرى فهي تلك التي تدرك أن الزمن لا يقيس الوقائع فحسب، بل يعيد تشكيل معناها ونتائجها.*
*ليست المشكلة أن تتعدد الطرق أمام صانع القرار، بل أن يتأخر في إختيار الطريق حتى تختار الوقائع مسارها بنفسها، فيتحول القرار من أداة لصناعة المستقبل إلى محاولة متأخرة للحاق به .*

