*الطريق الأصعب في الحروب*

*الطريق الأصعب في الحروب*
*رؤية تحليلية*
*تجيد الدول بناء الجيوش، وتطوير الأسلحة، وإعداد الخطط العسكرية. كما تتقن في كثير من الأحيان اتخاذ قرار الحرب عندما ترى أن مصالحها أو أمنها القومي يفرضان ذلك. غير أن التاريخ العسكري يكشف مفارقة متكررة؛ فقرار البدء ليس دائما أصعب القرارات، بل كثيرا ما يكون 【 قرار التوقف عن الحرب في التوقيت المناسب 】 هو الأكثر تعقيدا وكلفة.*
الحرب الأمريكية – الإيرانية الراهنة تقدم مثالا واضحا على هذه المعضلة. فبعد أكثر من 【 100 يوم من الضغوط والعمليات العسكرية المتبادلة 】 لم يعد السؤال الرئيس يتعلق بقدرة الأطراف على مواصلة المواجهة، بل بقدرتها على العثور على مخرج يحفظ مصالحها الأساسية ويمنع انزلاق المنطقة إلى دورة جديدة من التصعيد.
فالاستمرار يحمل كلفا متزايدة، والتراجع يحمل أثمانا سياسية، والتسوية تحتاج إلى تنازلات لا يرغب أي طرف في إعلانها أمام جمهوره الداخلي.
ولهذا السبب تدخل كثير من الحروب في ما يمكن وصفه بأنه 【 مرحلة البحث عن المخرج السياسي بعد استنفاد أدوات الضغط 】. وهي مرحلة لا يكون فيها النقص في القوة أو الوسائل العسكرية هو المشكلة الحقيقية، بل غياب الصيغة التي تسمح بإنهاء الصراع دون أن يشعر أي طرف بأنه خسر كل شيء.
التاريخ العسكري مليء بأمثلة مشابهة. فقد تمكنت قوى كبرى عبر العقود من تحقيق نجاحات ميدانية مهمة، لكنها واجهت صعوبة أكبر في تحويل تلك النجاحات إلى نتائج سياسية مستقرة. فالميدان يستطيع فرض وقائع جديدة، لكنه لا يستطيع وحده إنتاج توافقات دائمة أو معالجة جذور الأزمات.
ومن هنا تكتسب التطورات الأخيرة أهميتها الحقيقية بعيدا عن العناوين اليومية. فاستمرار القصف بالتزامن مع استمرار الاتصالات السياسية والوساطات الإقليمية والدولية يعكس إدراك الجميع أن المعركة الحقيقية لم تعد تدور فقط حول ما يحدث في السماء أو البحر أو البر، بل حول 【 شكل النهاية التي يمكن للجميع التعايش معها 】 دون أن تتحول إلى مقدمة لجولة جديدة من الصراع.
كما تكشف الأزمة الحالية أن 【 الزمن أصبح طرفا مؤثرا في الصراع 】 وليس مجرد إطار زمني للأحداث. فكل يوم إضافي يضيف أعباء اقتصادية وأمنية وسياسية على مختلف الأطراف، ويجعل العودة إلى نقطة البداية أكثر صعوبة من ذي قبل.
ولذلك قد لا يتحدد مستقبل هذه الحرب وفقا لحجم القوة المتوافرة لدى هذا الطرف أو ذاك، بل وفقا لقدرة صناع القرار على إدراك اللحظة التي يصبح فيها 【 استمرار الصراع أقل فائدة من إنهائه 】 قبل أن تتجاوز الكلفة حدود المكاسب المتوقعة.
*وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فالدول عادة تعرف الطريق إلى الحرب قبل أن تبدأها، لكنها لا تعرف دائما الطريق الذي ستخرج منه بعد أن تدخلها. وقد تكون المعضلة الحقيقية اليوم ليست في كيفية إدارة المعركة، بل في 【 تحويل القوة العسكرية إلى نتيجة سياسية مستدامة 】 يمكن البناء عليها لاحقا.*
*ومع استمرار التهديدات المتبادلة، وتعدد الوسطاء، وتباين الحسابات بين الأطراف المختلفة، يظل السؤال الأهم هو ما إذا كانت الإرادة السياسية ستنجح في الوصول إلى تسوية مقبولة قبل أن تفرض الوقائع الميدانية مسارا أكثر تعقيدا على الجميع. فالتاريخ يعلمنا أن 【 الحروب الطويلة لا تغير خرائط الصراع فقط بل تغير أيضا أهداف المتحاربين أنفسهم 】. كما يؤكد أن 【 السلام المستقر يبدأ عندما تقبل الأطراف شكل النهاية 】 وليس عندما يتوقف إطلاق النار فقط.*
*أصعب الطرق ليست تلك التي تقود إلى الحرب، بل تلك التي تعيد الجميع منها*.
*( يعرف الناس كيف تبدأ الحروب، لكن الحكمة الحقيقية تكمن في معرفة اللحظة التي يجب أن تنتهي عندها ) .*
كتبه:
اللواء البحري الركن م .
عبدالله بن سعيد الغامدي
*الأربعاء 10 يونيو 2026م.*



