*الإنتصار الصامت*

*الإنتصار الصامت*
*رؤية تحليلية*.
*تجذب الحروب الأنظار إلى الجبهات المشتعلة، وإلى الصواريخ التي تنطلق، والقوات التي تتحرك، والمدن التي تتعرض للتهديد. غير أن بعض أهم الإنجازات الإستراتيجية لا تتشكل في ميادين القتال، بل في نجاح الدول في منع الأزمات من التمدد إلى مساحات جديدة. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة أحد أبرز المشاهد التي أفرزتها الحرب الأمريكية – الإيرانية الراهنة.*
فبينما انشغل العالم بتطورات المواجهة المباشرة وتداعياتها العسكرية والإقتصادية، تشكل مسار آخر بهدوء بعيدا عن العناوين اليومية، تمثل في نجاح الخليج العربي في البقاء خارج دائرة الحرب رغم وقوعه في قلب بيئتها الجغرافية والسياسية، ورغم ارتباطه بأهم الممرات البحرية ومنشآت الطاقة في العالم.
*ولم يكن ذلك وليد المصادفة أو نتاج ظروف عابرة، بل ثمرة تراكم طويل من السياسات المتزنة التي انتهجتها المملكة العربية السعودية ودولة الكويت الشقيقة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. فقد قامت هذه السياسات على إدراك عميق بأن حماية الإستقرار لا تقل أهمية عن امتلاك القوة، وأن الردع الحقيقي لا يكتمل إلا عندما تقترن الجاهزية بالحكمة.*
*وقد أثبتت الأزمة الراهنة أن بناء الأمن لا يبدأ عند اندلاع الحروب، بل قبل ذلك بسنوات طويلة من العمل المؤسسي والتخطيط الإستراتيجي. فالدول التي تنجح في حماية مصالحها أثناء الأزمات الكبرى هي غالبا تلك التي استثمرت مبكرا في بناء قدراتها الوطنية، وعززت تماسكها الداخلي، ورفعت من مستويات التنسيق والتكامل بين مؤسساتها المختلفة.*
*ومنذ اللحظات الأولى للأزمة تعاملت دول المجلس مع التطورات من منظور الدولة المسؤولة التي تضع أمنها الوطني وإستقرار المنطقة فوق ردود الفعل المؤقتة. ولذلك تركز الجهد على تعزيز الجاهزية الدفاعية، ورفع مستويات التنسيق الأمني والعسكري، وحماية الممرات البحرية، وتأمين المنشآت الحيوية، والمحافظة على استمرارية النشاط الإقتصادي وسلامة تدفقات الطاقة والتجارة الدولية.*
*وكانت بعض التقديرات تراهن على أن الضغوط المصاحبة للحرب ستدفع المنطقة تدريجيا إلى دوائر أوسع من التوتر، وأن محاولات الإختراق والتجسس والتخريب والتهديدات الأمنية المختلفة ستؤدي إلى خلق بيئة أكثر هشاشة واضطرابا. إلا أن الوقائع جاءت على خلاف تلك الرهانات.*
*فقد أظهرت الأجهزة الأمنية والعسكرية الخليجية مستويات متقدمة من الكفاءة والجاهزية والتكامل، بينما أسهم التعاون المشترك بين دول المجلس في تضييق مساحات المخاطر وتقليل فرص استغلال الأزمة. كما برز الوعي الوطني لدى شعوب الخليج العربي بوصفه أحد أهم عناصر القوة، من خلال الإلتفاف حول مؤسسات الدولة ورفض محاولات الإرباك والإستقطاب التي ترافق مثل هذه الظروف.*
ولم تقتصر أهمية هذا النهج على حماية الأمن الداخلي فحسب، بل امتدت آثاره إلى البيئة الإقليمية والدولية الأوسع. فاستمرار تدفق الطاقة، وسلامة الممرات البحرية، والمحافظة على استقرار الأسواق، كلها عوامل أسهمت في الحد من التداعيات العالمية للأزمة ومنعت انتقال آثارها إلى مستويات أكثر تعقيدا.
وتكشف هذه التجربة عن حقيقة كثيرا ما تتوارى خلف مشاهد الصراع اليومية. فالقوة لا تتمثل فقط في القدرة على خوض المعارك، بل أيضا في القدرة على منع انتقالها إلى حيث لا ينبغي أن تكون. كما أن النجاح الإستراتيجي لا يقاس بعدد الجبهات التي فتحت، بل قد يقاس أحيانا بعدد الجبهات التي لم تفتح أصلا.
ومن هنا يمكن النظر إلى التجربة الخليجية بوصفها نموذجا متقدما في إدارة الأزمات الإقليمية. فقد جمعت بين الجاهزية والإتزان، وبين حماية المصالح الوطنية وتجنب الإنجرار إلى حسابات لا تخدم أمن المنطقة أو إستقرارها. وهي معادلة تزداد أهمية في عالم تتداخل فيه التهديدات العسكرية والسيبرانية والإعلامية والإقتصادية بصورة غير مسبوقة.
لهذا لم يكن الإنجاز الخليجي الأبرز خلال هذه المرحلة مرتبطا بعملية عسكرية أو مكسب ميداني مباشر، بل تمثل في نجاحه في منع تشكل جبهة جديدة كان من شأنها توسيع رقعة الحرب ورفع كلفتها على المنطقة والعالم.
*وتبقى قدرة الدول على منع تمدد الأزمات إحدى أعلى مراتب النجاح الإستراتيجي. فالقوة الحقيقية لا تقاس فقط بما تملكه الدول من أدوات الردع، بل بقدرتها على توظيفها بحكمة تمنع الصراع من الإتساع. وقد أثبتت التجربة الخليجية أن الإستقرار ليس غيابا للقوة، بل أحد أرقى صورها. ولهذا فإن بعض أعظم الإنتصارات في التاريخ لم تتحقق عندما كسبت الدول الحروب، بل عندما نجحت في منع الحروب من التمدد إليها أصلا .*
كتبه :
اللواء البحري الركن المتقاعد /
عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق في
باكستان
*الجمعة( 5 )يونيو 2026 م .*
