كُتاب الرأي

قراءة استراتيجية في أزمة الخليج والشرق الأوسط

قراءة استراتيجية في أزمة الخليج والشرق الأوسط

عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق، جامعة الملك عبدالعزيز

الإطار العام: أزمة تتجاوز الثنائية

تجاوزت الأزمة الراهنة حدود المواجهة الثنائية بين واشنطن وطهران؛ فهي تتداخل مع أمن المملكة العربية السعودية، وقدرة ميليشيا الحوثيين على تهديد الملاحة والعمق الخليجي، ونشاط ميليشيات مسلحة موالية لإيران في العراق. كما ترتبط بتنافس القوى الكبرى وبالحرب في أوكرانيا، بما يجعل أمن الخليج جزءاً من شبكة أوسع من المصالح والضغوط.

استراتيجياً، لا تُقاس قوة الطرفين بحجم الضربات وحده؛ فواشنطن تسعى إلى إضعاف القدرات الإيرانية الصاروخية والبحرية والنووية، بينما تحاول طهران رفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها، وتوسيع المخاطر على الطاقة والملاحة. ومن ثمّ، لم يعد أمن الخليج ساحةً جانبية، بل أصبح جزءاً من معادلة الردع والتفاوض بين الطرفين.

شبكة الحلفاء: ما بعد التزامن

لفهم التصعيد الحاصل في المنطقة بأسرها، ينبغي النظر إلى علاقة إيران بحلفائها بوصفها شبكة ذات روابط سياسية وعقائدية وعسكرية، لا مجرد تزامن بين أطراف متفرقة. فطهران والحوثيون وحزب الله وفصائل عراقية موالية لإيران تتقاطع في توجهات عقدية وسياسية واستراتيجية أساسية. ويساعد هذا التقارب على تنسيق المصالح وتبادل الدعم، وإن اختلفت طبيعة العلاقة ودرجة استقلال القرار من طرف إلى آخر.

ففي لبنان، أفادت تقارير مطلعة بأن ضباطاً من الحرس الثوري ساعدوا حزب الله في إعادة تنظيم قيادته العسكرية وتدريب عناصره وإعادة تسليحه بعد حرب 2024.
وفي اليمن، تُعدّ إيران المصدر الخارجي الأهم لدعم الحوثيين، عبر نقل السلاح والتدريب والمساندة التقنية والاستخبارية، وفق ما أورده مجلس العلاقات الخارجية، كما وثّق فريق خبراء الأمم المتحدة استمرار تهريب الأسلحة وتعاظم قدرات الحوثيين الصاروخية والمسيّرة.

أما في العراق، فتتعقد الصورة بسبب وجود مليشيات مسلحة ذات صلات وثيقة بإيران ضمن مشهد أمني وسياسي تتداخل فيه تلك المليشيات مع مؤسسات الدولة. وقد نقلت رويترز في يوليو 2026 أن القيادة المركزية الأمريكية نسبت أكثر من ثلاثين هجوماً بالمسيّرات خلال 72 ساعة إلى توجيه الحرس الثوري، وأن السعودية والولايات المتحدة نفذتا ضربات على جماعات في العراق قالتا إنها مسؤولة عن استهداف منشآت سعودية.

بالنسبة إلى طهران، يتيح هذا النمط توزيع الضغط ورفع كلفة المواجهة عليها. وفي المقابل، ترى الجماعات الحليفة في الدعم الإيراني وسيلة لتعزيز قوتها ونفوذها المحلي.

الأقمار الروسية: ما الذي تثبته التقارير؟
يثير تقرير استقصائي لشبكة CNN سؤالاً مهماً عن احتمال استخدام روسيا لقدراتها الفضائية في دعم إيران. فبحسب التقرير، مرّت أربعة عشر قمراً روسياً للاستطلاع فوق قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية قبل يومين من هجوم إيراني في 27 مارس 2026. واستند التقرير إلى مسؤولين أمريكيين ومصادر استخبارية لم تُكشف أسماؤها، وقال إن المعلومات الروسية ساعدت إيران في تحسين دقة بعض الهجمات على أهداف أمريكية. لكنه أشار أيضاً إلى أن CNN لم تحصل على الصور الفضائية نفسها، واعتمدت على بيانات مدارية لتتبع الأقمار؛ كما نفى الكرملين تزويد إيران بالصور.

أوكرانيا والشرق الأوسط: ترابط لا تبعية
أما الحرب في أوكرانيا فليست منفصلة عن الشرق الأوسط تماماً؛ فقد توسع التعاون الروسي الإيراني ليشمل المسيّرات والتقنيات العسكرية وتبادل المعلومات وشبكات الالتفاف على العقوبات، بحسب تحليل للمجلس الأطلسي. بدأت إيران بتزويد روسيا بمسيّرات «شاهد» وبالمساعدة في إنتاجها؛ ثم طوّرت روسيا تلك المسيّرات، فيما أشارت تقارير غربية إلى أن إيران استفادت من تقنيات روسية وخبرات ومعلومات استطلاع.

هذا الترابط لا يجعل كل هجوم في الشرق الأوسط امتداداً مباشراً للحرب الأوكرانية، ولا يعني أن موسكو تدير قرارات طهران أو حلفائها. لكنه يبيّن أن الخبرة والتقنية والموارد قد تنتقل بين الساحتين، وأن الحرب في أوكرانيا سرّعت بناء شراكة عسكرية بين روسيا وإيران.

ويتضح الترابط أيضاً في ملف الطاقة؛ ففي أكتوبر 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتفاقاً مع روسيا لتوريد الديزل، بالتزامن مع ترخيص أمريكي مؤقت يخفف القيود على الشحنات. ونقلت رويترز أن مبعوثي ترامب عرضوا الاتفاق على مسؤولين أوكرانيين بوصفه جزءاً من مسعى لإعادة موسكو إلى مفاوضات الحرب، فيما كان اضطراب إمدادات الطاقة المرتبط بحرب إيران يضغط على الأسعار.

ومع ذلك، لا تثبت الصفقة وجود تفاهم أمريكي روسي على الشرق الأوسط؛ فهي مثال على أن الخصومة والتفاوض قد يجتمعان، وأن الحكومات قد توازن بين ملفات متزامنة وفق مصالحها.
ومن هنا يمكن أن يؤثر تخفيف التوتر في إحدى الحربين على الأخرى عبر توافر الذخائر والموارد، وأسعار الطاقة والشحن، وصلابة العقوبات، وتوزيع الانتباه والقدرات الدبلوماسية والعسكرية. لكن اتجاه الأثر ليس آلياً؛ فالتهدئة قد تخفف الضغوط في ملف، أو تتيح إعادة توجيه الموارد والنفوذ إلى ملف آخر.

الصين وتوازن القوى
للصين مصالح اقتصادية كبيرة في الخليج، وهي من أهم شركاء إيران التجاريين ومشتري نفطها، كما أدت دوراً دبلوماسياً في استئناف العلاقات السعودية الإيرانية عام 2023. ونقلت رويترز أن بكين طلبت من طهران المساعدة في كبح الحوثيين خشية تهديد طرق الطاقة والملاحة، لكنها لم تلوّح علناً بإجراءات اقتصادية، ولا يتضح أن طهران استجابت لطلبها.
فبكين تحاول حماية مصالحها في الخليج، والحفاظ على علاقاتها مع طهران والدول العربية، وتفضل الوساطة والتفاهمات على الالتزامات الأمنية الملزمة.
أما روسيا، فعلاقتها بإيران أوضح في الجانب العسكري والاستخباري، لكنها تظل محكومة أيضاً بأولويات موسكو في أوكرانيا وبحسابات تجنب مواجهة مباشرة مع الغرب.

وهكذا لا يتشكل توازن دولي من معسكرين متجانسين بقدر ما تتكون اصطفافات جزئية وشبكات مصالح:

فالولايات المتحدة والغرب يدعمان أوكرانيا؛
بينما تعمّق روسيا تعاونها مع إيران؛
وتقدم الصين لطهران شرياناً اقتصادياً ونفوذاً دبلوماسياً مع الحرص على عدم الانخراط العسكري المباشر.

وقد تتقاطع هذه المصالح أو تتباعد بحسب الملف والظرف.

مؤشرات تطور عن الأزمة
يمكن متابعة مسار الأزمة من خلال عدد من المؤشرات:
استمرار او إنحسار الهجمات على المطارات ومنشآت الطاقة السعودية؛
قدرة بغداد على منع إطلاق المسيّرات من أراضيها ومحاسبة المسؤولين عنها؛
ظهور أدلة مستقلة على طبيعة التعاون الفضائي الروسي الإيراني؛
مدى استعداد الصين للانتقال من الدعوة إلى الحوار إلى ممارسة ضغط ملموس على طهران؛
حركة السفن في مضيقي هرمز وباب المندب، وما إذا كانت التهديدات أداة تفاوض محدودة أم عاملاً مستمراً في زعزعة أسواق الطاقة والتجارة؛
حجم شحنات الديزل الروسية المنفذة فعلياً، ومدة الإعفاء الأمريكي من القيود، وما إذا كان التفاهم سيؤدي إلى تنازلات تفاوضية روسية أو يظل خطوة محدودة الأثر.

فهذه المؤشرات ستوضح إن كانت العلاقة بين المسارين مجرد تزامن سياسي أم ترابطاً يغيّر حسابات الأطراف فعلياً.

كاتب رأي 

 

 

الدكتور عصام يحيي الفيلالي

اديب وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.