(الخبراء الإيرانيون في اليمن)

(الخبراء الإيرانيون في اليمن)
محمد سعد الربيعي
بعد تآكل الدور الإيراني في لبنان لذيلها المسمى بحزب اللات، الذي بدأ يتقلص في الضاحية الجنوبية بعد هلاك ما يزيد على نصف قوته التي كانت تُرعب اللبنانيين وحكوماتهم الحالية والسابقة، وخاصة عندما كان الهالك حسن نصر اللات يتولى قيادته، حاولت طهران أن تضع الحزب وعناصره ضمن تلك الورقة التي طرحها قاليباف وعراقجي مع أمريكا لحماية من بقي من الحزب، وبالتحديد عندما رأت طهران أنها تفقد بريق ذلك الذيل الذي راهنت عليه طويلًا ليكون شوكة نحر في حكومة لبنان، وليس إسرائيل، ولكنها فشلت في ذلك، ولعل ما حدث في قلعة الشقيف من السابق وتدميرها من إسرائيل، وما يحدث الآن في تلة علي الطاهر التي تحاصرها إسرائيل، وفي داخلها ما يزيد على مائتي عنصر من عناصر الحزب مع أسلحتهم، هو ما يؤكد ضعف الحزب، ومعه طهران التي تركت من بقي من خونتها من المكون الشيعي الذي استعملته لتدمير لبنان يلقى مصيره المحتوم من إسرائيل!
وكذلك ما لحق بإيران بشكل عام في سوريا من طردٍ مهين، غادر فيها كل خبرائها المختصون بقتل الشعب السوري واللبناني، وتحديدًا السنة منهم، الذين حُفرت لهم الأنفاق، ودُفن الكثير منهم أحياءً بأوامر وتدبير من خبراء إيران وحزب اللات في هاتين الدولتين اللتين تجرعتا الويلات من إيران وأحزابها وذيولها النافقة في المنطقة. هذا ولم يقف الحد عند هاتين الدولتين، وإنما ذهب إلى العراق الذي تم تدمير عروبته من إيران، وقُلبت فيه المعادلة حتى إن العراق كله أصبح يمثل ذيلًا ذليلًا إيرانيًا!
أقول إن السياسة الإيرانية وما تنفذه طهران وملاليها لن يقف عند أي حدٍ، حتى ولو قُطع ذيل هنا أو هناك، فهي لا تتوقف، بل تصنع البدائل والذيول في سياستها لتدمير المسلمين في العالم، ونشر ما يسمونه تصدير ثورتهم الإسلامية الشيعية الكاذبة، التي مردُّها لديهم محاربة المسلمين السنة، ليس في المملكة فقط، التي ترعى الإسلام وتدافع عنه، بل في كل الدول العربية والإسلامية والعالمية، وهذا الهدف وُضع منذ بداية استلام الهالك الخميني للسلطة في طهران.
كان من أهداف ثورة إيران وضع الكثير من العوامل التي تهدف من خلالها إلى توظيف قوتها في الدول التي تستهدفها، ومن ذلك دعم وخلق دور الخبراء الإيرانيين التدميري، الذي لم يقتصر على الجنسية الإيرانية فقط، بل وظفت الكثير من الخبراء اللبنانيين والسوريين والعراقيين، وهناك الكثير من عناصر جنسيات أخرى، كالباكستانيين والأفغان والعرب أيضًا للأسف وغيرهم كما أسلفت، ممن ليست لهم صلة بإيران، استطاعت من خلالها طهران تجنيدهم وشراءهم بالتومان الإيراني ليصبحوا عملاءَ وأداةً طيعةً في يد المخابرات الإيرانية.
إن ما يحدث في اليمن من الحوثيين هو ما يؤكد أن هذه الحركة أصبحت تلقى أهمية كبيرة من إيران، وأنها تمثل الآن الذيل البديل لحزبها في لبنان، حيث نقلت لها كل خبرائها وبجنسياتهم المختلفة منذ بدء خيانة عفاش وتسليمه السلطة لهذه الحركة في العاصمة اليمنية، وكذلك المدن اليمنية الواحدة تلو الأخرى حينذاك، كما حدث بالأمس من ابن أخيه طارق عفاش، الذي سلّم إقليم تهامة دون أن تُطلق رصاصةٌ واحدةٌ في وجه عناصر الحركة التي استولت على الحديدة، رغم أهميتها للشرعية التي راوحت هناك لما يزيد على عشر سنوات، تنتظر انتصارًا من طارق الزيدي لتحرير ميناء الحديدة المقسومة مناصفة كتعز من قبضة الحركة!
إن ما يحدث من هزائم وانكسارات للشرعية في كل جبهات اليمن، وما يصاحب ذلك من خيانات لقادة عسكريين يقودون ساحات المعارك في جبهات قتال مناطق الشرعية، هو ما يُعد اختراقًا للشرعية وقياداتها من كل الصفوف، حتى من الصفوف القيادية، سواء كانت مدنية أو عسكرية، أي إن ما يحدث ولا يزال في هذه الجبهات هو اختراقات استخبارية يحققها للحركة أولئك الخبراء الإيرانيون بمختلف جنسياتهم، وكذلك الانتصارات الميدانية في جبهات وساحات القتال التي دائمًا ترجح فيها كفة هذه الحركة نتيجة تولي الخبراء الإيرانيين إدارة المعارك والعمل الاستخباري الذي تنتهجه في التعامل ضد الشرعية.
ولعل ما يُقلق في هذا الجانب العسكري المهم هو غياب دور قيادات اليمن المنتمية للشرعية في مواجهة ما تقوم به الحركة من تخطيط لقياداتها العسكرية التي غالبًا ما تنجح (الحركة) في كسر وهزيمة الشرعية في مختلف الجبهات، رغم أن الخبراء الإيرانيين تنقصهم المعرفة الميدانية في إدارة الحروب جغرافيًا من خلال طبيعة اليمن الجبلية والطبوغرافية وخلافها، وهو ما يمثل عنصرًا مهمًا لقادة الشرعية العسكريين الذين يُلمّون بهذه التفاصيل دون غيرهم، ومع ذلك نجد انهزامهم في جبهات القتال.
هناك عنصر مهم أيضًا غفلت عنه الشرعية، وربما استغلته الحركة من خلال الخبراء لديها، وهو العنصر الاستخباري الذي يبدو منعدمًا لدى قوات الشرعية وجهازها الحكومي، رغم قدرتها على توظيف العناصر الكثيرة من أبناء صنعاء والحديدة وتعز وبقية المدن والمحافظات اليمنية في العمل الاستخباري الدقيق لجلب كل المعلومات التي تهم قيادة الشرعية، وبالتالي يتوفر لديها ما يؤدي إلى انتصارها ضد الحركة، ومنها على الأقل اقتناص واغتيال هؤلاء الخبراء، وتدمير كل ما من شأنه أن يعطل دورهم الميداني والاستخباري.
هناك عامل مهم أيضًا استخدمته الحركة الحوثية أمام أعين قادة ومسؤولي الشرعية منذ سيطرتها على اليمن، وهو استغلال العنصر الأجنبي الموجود بكثافة في المناطق الجنوبية والشمالية من جنسيات القرن الأفريقي التي غزت اليمن بأعداد هائلة، حيث استطاعت هذه الحركة تسخير جهود هذه الجنسيات، أو أغلبها، في دعم الحركة لمجهودها الحربي، وفي أعمال خدمية وقتالية أيضًا في ساحات القتال، وسخرت هذه الجنسيات لحفر الأنفاق في كل جبال وميادين اليمن تحت إشراف الخبراء الإيرانيين، وبنت غرف عمليات وملاجئ كبيرة، وكهوفًا عديدة داخل محافظات اليمن المختلفة، ومخازن أسلحة من الصعب اختراقها وتدميرها، وهي خطط يتبناها الخبراء لما لديهم من خلفية في هذا المجال في جنوب لبنان وإيران بشكل عام، وكل هذه الأنشطة تتم بدراسة وتخطيط من خلال الخبراء الأجانب الذين كانت أعمالهم ونشاطهم الاستخباري في هذا المجال تجري تحت أعين قيادة الشرعية السياسية والعسكرية، ودون أن تضع العراقيل المناسبة التي تمنع تمدده المؤدي بشكل أو آخر إلى ترجيح كفة الحركة في المواجهات العسكرية.
بالطبع من غير المستبعد أن هذا العنصر الأفريقي لديه الخبرة القتالية المتشابهة لطبيعة اليمن، وقد استطاعت هذه الحركة من خلال الخبراء الإيرانيين توظيف هذا العامل المهم لرفد الجهد القتالي لها في الجبهات، والمؤكد أن ذلك يتم بإغراءات مالية كبيرة، والسماح لبعض عناصر هذه الفئة بتولي القيادة في بعض جبهات القتال، وهو عنصر داعم تنضوي تحته هذه الفئات من شأنه رفع معنوياتهم واستبسالهم في القتال، مع وعد هذه الفئة المنتشرة بشكل كبير في اليمن بتسهيل ودعم دخولهم لمناطق المملكة المحاذية لليمن عند تقديم ما يشفع لهم من خلال مشاركاتهم تلك، ومساعدتهم ماليًا في ذلك، وبالتالي وصولهم للمناطق الكبيرة داخل المملكة، كمكة المكرمة والرياض وخلافها، وهو ما تعمل عليه تلك الفئة وتدفع الغالي والنفيس من أجل تحقيق ذلك.
لم يقتصر عمل الخبراء الأجانب في اليمن على هذه الأنشطة التي أشرت لها، ولكن هناك ما هو أهم وأخطر من ذلك، وهو ما تعلم عنه الشرعية بكافة قياداتها، ويسكتون عنه وعن استهدافه من قبلهم، حيث لم تحرك الشرعية ساكنًا في مواجهته وتدميره، ولعل ذلك يكمن في إقامة مصانع الأسلحة بكل أشكالها الفردية، حتى إنها وصلت للصواريخ والطائرات المُسيّرة، التي ينجح الخبراء في توطيد هذه الصناعة العسكرية المهمة للحركة من خلال أبناء اليمن الذين يمتلكون خبرة وسرعة التعلم فيها، خلاف ما تتمكن هذه الحركة من إدخاله واستيراده وتهريبه من الموانئ البحرية، سواء من الحديدة أو عدن أو ما تستلمه بالقرب من مناطقها البحرية في أواسط البحار بمساعدة أطراف وشركات ومرتزقة دوليين، كما تحدث هذه العمليات لتهريب الأسلحة من المنافذ الحدودية لليمن مع سلطنة عُمان، والتي للأسف تسيطر عليها الشرعية نتيجة خيانات ومساعدات من أطراف يمنية استطاعت الحركة شراء ذممهم المالية، واستخدمتهم كخناجر مسمومة في خاصرتها (الشرعية)، نتيجة غض الطرف عن هذا النشاط المؤذي لليمن وشرعيته!
إن كتابة هذا المقال قد تأخذ الكثير مما تستغله الحركة الحوثية وخبراؤها في هزيمة الشرعية وسقوط جبهاتها القتالية وتخاذل قياداتها لأسباب كثيرة، ونكتفي في هذا المقال بما ورد فيه، ولعل لنا عودةً في استكمال ما تستغله الحركة الحوثية لإحكام قبضتها على اليمن، وما يمكن للشرعية الحذر منه، بل مواجهته والتعامل معه بجديةٍ لتنتصر وتعود صنعاء لحضن الشرعية ودولة اليمن القادمة.
