(للبيت رب يحميه.. وبأرواحنا نفديه)

(للبيت رب يحميه.. وبأرواحنا نفديه)
المستشار عبدالله سالم الصعيري
قبل الإسلام، كانت خدمة البيت الحرام وحمايته شرفًا عظيمًا تتنافس عليه قريش، وكانت قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم مهام خدمة الكعبة موزعة بين بيوت قريش ووجهائها، ولكل منها وظيفة ومكانة معروفة.
وكانت السدانة، وهي العناية بالكعبة وفتحها وإغلاقها وخدمتها، من أشرف تلك المهام، وقد آلت إلى بني عبد الدار، ثم إلى بني أبي طلحة، وبقي مفتاح الكعبة في ذريتهم حتى يومنا هذا.
أما السقاية، فكانت من أجل توفير الماء للحجاج، وكان أهلها يجلبون الماء العذب من الآبار ويضعونه في حياض بجوار الكعبة، وكانت من المهام التي آلت إلى عبد مناف، ثم تولى هاشم بن عبد مناف السقاية والرفادة من بعده، واستمرت في ذريته. وكانت الرفادة تعني إطعام الحجاج، وكانت قريش تجمع لها المال في موسم الحج لتوفير الطعام لمن لا يملك زادًا.
وكانت هناك مهام أخرى ذات مكانة كبيرة في قريش، منها اللواء المرتبط براية الحرب، ودار الندوة التي كانت مجلسًا تجتمع فيه قريش للتشاور في شؤونها، والقيادة المرتبطة بقيادة القوافل والجيوش، وكانت هذه المناصب موزعة بين بيوت قريش، وفق ما استقر عليه نظامها في ذلك الوقت.
وبعد الإسلام، بقيت سدانة الكعبة في أهلها، واستمرت خدمة الحجاج والعناية بالبيت الحرام عبر العصور، حتى أصبحت اليوم عملًا مؤسسيًا متكاملًا تشرف عليه الدولة، بينما بقيت السدانة في آل الشيبي.
وتتولى الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي اليوم الخدمات والتشغيل والصيانة والتطوير، والإشراف على ما يتعلق بالكعبة المشرفة، ومن ذلك إنتاج كسوتها وصيانتها والمحافظة عليها، كما يتولى مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة المشرفة صناعة الكسوة والعناية بها.
وهكذا انتقلت خدمة البيت الحرام من مهام موزعة بين بطون قريش إلى منظومة مؤسسية ضخمة تديرها الدولة، مع بقاء سدانة الكعبة في أهلها، وأصبحت خدمة الحرمين الشريفين والعناية بقاصديهما مسؤولية تتكامل فيها جهات متعددة.
وإذا كانت خدمة الكعبة وحمايتها منذ القدم موضع شرف وعزة، فإن استهداف مكة المكرمة يمثل اعتداءً بالغ الخطورة على مكان مقدس تتجه إليه قلوب المسلمين في أنحاء العالم، وقد أطلق الحوثيون صواريخ باتجاه منطقة مكة المكرمة، في اعتداء مرفوض على أمن أقدس بقاع المسلمين.
وليس استهداف مكة المكرمة وبيت الله الحرام أمرًا عابرًا في ذاكرة التاريخ؛ فقد سبق أن قصد أبرهة الأشرم هدم الكعبة في عام الفيل، ثم جاء القرامطة فاعتدوا على الحرم وقتلوا الحجاج وسرقوا الحجر الأسود، وفي عصرنا أطلق الحوثيون صواريخ باتجاه منطقة مكة المكرمة، في اعتداء يعيد إلى الأذهان صفحات سوداء من استهداف أقدس بقاع المسلمين.
وتبقى حرمة مكة ومقدسات المسلمين فوق الصراعات والخلافات، والاعتداء عليها مرفوض، وحماية الحرمين الشريفين وأمن قاصديهما مسؤولية عظيمة وشرف تتولاه المملكة وتبذل من أجله إمكاناتها، ويبقى موقف المسلمين واضحًا في رفض أي اعتداء يستهدف مقدساتهم وأمنها وسلامتها.
