كُتاب الرأي

بعض الردود تظهر المفقود

بعض الردود تظهر المفقود

المستشار: عبدالله سالم الصعيري

تطرقت في مقالي السابق بعنوان (مصداقية مصادر الدال) إلى مصادر الدرجات العلمية وطرق الوصول أو الحصول عليها، ومصداقية نيل هذه الدرجة العلمية من عدمه، ومستوى وسلوك حاملها، وأغفلتُ اللب والجوهر لهذه الدرجة، حتى سُعدت بمرور الأستاذ فيصل الكثيري على مقالي، وكان كالغواص الذي يكتشف اللؤلؤ في قلب المحار.

وقد أفادني ونبهني إلى أن أهمية الدرجة العلمية تكمن في محتواها وقيمتها العلمية والمعرفية، وما تحدثه من فائدة ونفع وإضافة علمية للفرد والمجتمع والبشرية جمعاء والبيئة. الكلمة والكتاب يعتبران كالدواء والقلم؛ إذا لم يُحدثا نفعًا أو شفاءً أو يُذهبا ألمًا فما نفعهما وفائدتهما؟ بل قد لا يستحق الكتاب ورقه ومداده ووقت كاتبه ووقت قارئيه، بل حتى لا يستحق مساحة أو جزءًا من مكتباتنا.

لقد أصبحت مكتباتنا تعج بمئات وآلاف الكتب، ونتباهى بهذه المكتبات وهذا الكم الهائل من الكتب، ولكن معظمها ومجملها لا يستحق إلا أن يكون ثقّالة لحفظ الأوراق ومنع تبعثرها. لقد دفعتني هامشية الكثير من الكتب إلى ألا أقتني إلا الكتب المحققة، ولو أنني مقلٌّ جدًا في اقتناء الكتب.

وسياستي في اقتناء الكتب تقوم على ألا أقتني كتابًا ما دام لدي كتب لم أقرأها؛ فأنا لست تاجر كتب ولا أتفاخر بمكتبة أجهل ما تحتويه. والقاعدة الأخرى أن يكون الكتاب الذي أرغب في اقتنائه قد صدرت له عدة طبعات لا تقل عن الطبعة الرابعة؛ لأن نفاد الطبعات قد يشير إلى فائدة الكتاب ونجاح انتشاره وتقبله من القراء.

الكتاب أغلى من أنفس العطور إذا كان محتواه جوهريًا وقيمًا. وكذلك الطيب؛ لا يهم شكل الزجاجة والوعاء وقيمتهما وخامتهما، سواء أكانت من الذهب أم الفضة، بقدر ما تحتويه من عطر ومادة فواحة وزكية وقادرة على الثبات لساعات وأيام طويلة.

بعض الكتب قد تكون فائدتها محدودة بوقت وزمن محدود النفع والصلاحية جدًا، مثل الزبادي الذي تنتهي صلاحيته خلال أيام، وبعض الكتب صالح لكل زمان ومكان وإنسان. مكتباتنا تعج بالكتب ومئات المجلدات، لكننا لو بحثنا وانتقينا لوجدنا أن الدرر منها لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.

عنوان الكتاب ليس دليلا على قيمة وجودة وفائدة محتواه، بل وحتى كاتبه. بعض الكتب يمتد تأثيرها وفائدتها وقيمتها لمئات وآلاف السنين، وبعض الكتب لا يدوم نفعها إلا لأيام أو ساعات؛ كالمحار لا يهم حجمه وشكله ووزنه، بل تتوقف قيمته على ما يحتويه من الدر واللؤلؤ. وفيصل الكثيري يعد من أبرع من يكتشف ما يحتويه المحار.

كاتب رأي

 

عبدالله سالم الصعيري

كاتب رأي ومستشار أمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.