من حلم جول ريميه إلى عرش الرياضة العالمية

من حلم جول ريميه إلى عرش الرياضة العالمية
القصة الكاملة لكأس العالم
بقلم: بكري بن معتوق عساس
عندما تتوقف المنافسات المحلية وتخفت الخلافات الرياضية، تتجه أنظار العالم نحو حدث استثنائي يتكرر كل أربع سنوات، هو كأس العالم لكرة القدم. وخلال أسابيع قليلة تتحول الكرة إلى لغة عالمية مشتركة، ويتوحد مليارات البشر خلف شغف واحد. ولم يكن هذا الحدث الضخم سوى حلم راود رجلاً فرنسياً آمن بأن الرياضة قادرة على جمع الشعوب أكثر مما تفرّقها السياسة.
ذلك الرجل هو جول ريميه، الذي يُعد الأب الروحي لكأس العالم. ولد عام 1873 في فرنسا ونشأ في أسرة متواضعة، وعُرف منذ شبابه باهتمامه بالشؤون الاجتماعية والإنسانية. وعندما تولى رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 1921 كان مقتنعاً بأن اللعبة تستحق بطولة عالمية مستقلة عن الألعاب الأولمبية. وقد أمضى سنوات طويلة في إقناع الاتحادات الوطنية بالفكرة حتى نجح عام 1928 في الحصول على موافقة الفيفا لتنظيم أول بطولة عالمية.
اختيرت الأوروغواي لاستضافة النسخة الأولى عام 1930، احتفالاً بمئوية استقلالها، إضافة إلى تتويج منتخبها بذهبية الألعاب الأولمبية مرتين. ولم يكن السفر سهلاً آنذاك، إذ اضطر كثير من اللاعبين والمسؤولين إلى قطع المحيط الأطلسي على متن السفن لأسابيع طويلة للوصول إلى مكان البطولة.
شارك في النسخة الأولى 13 منتخباً فقط، لكن الحدث نجح في جذب اهتمام عالمي متزايد. وفي النهائي فازت الأوروغواي على الأرجنتين بنتيجة 4-2 لتصبح أول بطل للعالم. وشهدت البطولة تسجيل أول هدف في تاريخ كأس العالم بواسطة الفرنسي لوسيان لوران، بينما نال الأرجنتيني غييرمو ستابيلي لقب الهداف.
توقفت البطولة خلال الحرب العالمية الثانية، فلم تُقم نسختا 1942 و1946. لكن عودتها عام 1950 في البرازيل كانت استثنائية. فقد احتشد ما يقارب مائتي ألف متفرج في ملعب ماراكانا الشهير لمشاهدة منتخب بلادهم وهو يقترب من اللقب، غير أن الأوروغواي قلبت التوقعات وفازت بالمباراة الحاسمة فيما عُرف تاريخياً باسم “ماراكانازو”، وهي واحدة من أكبر الصدمات الرياضية في القرن العشرين.
وفي خمسينيات وستينيات القرن الماضي ظهر نجم برازيلي شاب سيغير تاريخ اللعبة إلى الأبد، هو بيليه. ففي مونديال 1958 بالسويد، وكان عمره سبعة عشر عاماً فقط، أذهل العالم بموهبته وساهم في منح البرازيل أول ألقابها العالمية. ثم عاد ليقودها إلى ألقاب أخرى حتى أصبح اللاعب الوحيد الذي فاز بكأس العالم ثلاث مرات.
شهد نهائي عام 1970 في المكسيك تتويج واحد من أعظم المنتخبات في التاريخ، عندما هزمت البرازيل إيطاليا 4-1. وقد اعتبر كثير من المؤرخين ذلك الفريق النموذج الأكمل لكرة القدم الجميلة، حيث ضم بيليه وجاييرزينيو وريفيلينو وكارلوس ألبرتو.
وفي عام 1986 جاء الدور على الأسطورة الأرجنتينية دييغو مارادونا ليقدم بطولة استثنائية في المكسيك. ففي مباراة إنجلترا سجل هدفين دخلا التاريخ؛ الأول بيده واشتهر باسم “يد الله”، والثاني بعد مراوغة نصف الفريق المنافس في ما اعتبره كثيرون أجمل هدف في تاريخ كأس العالم.
أما التسعينيات فشهدت دخول البطولة عصر الاحتراف الكامل والبث الفضائي العالمي. وفي مونديال فرنسا 1998 ارتفع عدد المنتخبات المشاركة إلى 32 منتخباً، وفازت فرنسا باللقب لأول مرة بقيادة زين الدين زيدان الذي أصبح رمزاً وطنياً ورياضياً.
ومن النهائيات التي لا تُنسى نهائي 2006 بين فرنسا وإيطاليا، ليس فقط بسبب فوز إيطاليا باللقب، بل بسبب حادثة نطح زيدان لماركو ماتيراتزي في آخر مباراة دولية له، وهي لحظة ما زالت تُذكر حتى اليوم.
وفي عام 2014 أحرزت ألمانيا لقبها الرابع بعد هدف ماريو غوتزه التاريخي في مرمى الأرجنتين. لكن المشهد الأكثر اكتمالاً ربما جاء في مونديال قطر 2022 عندما حقق ليونيل ميسي حلمه الكبير وقاد الأرجنتين إلى اللقب العالمي بعد نهائي ملحمي أمام فرنسا وصفه كثيرون بأنه أعظم نهائي في تاريخ كأس العالم.
وعلى امتداد تاريخ البطولة، صنعت أسماء كثيرة أمجاد المونديال. فإلى جانب بيليه ومارادونا وميسي، يبرز الألماني فرانز بيكنباور والهولندي يوهان كرويف والبرازيلي رونالدو والفرنسي زيدان والإيطالي باولو روسي وغيرهم من النجوم الذين تركوا بصمات خالدة.
وتزخر البطولة بأرقام قياسية مدهشة؛ فالبرازيل هي المنتخب الأكثر تتويجاً بخمسة ألقاب، بينما يعد الألماني ميروسلاف كلوزه الهداف التاريخي للبطولة برصيد 16 هدفاً. أما أسرع هدف فسجله التركي هاكان شوكور بعد 11 ثانية فقط في مونديال 2002.
ومن الطرائف الشهيرة أن كأس جول ريميه الأصلية سُرقت في إنجلترا عام 1966 قبل انطلاق البطولة، لكن كلباً يدعى “بيكلز” عثر عليها ملفوفة في صحيفة داخل إحدى الحدائق، فتحول الكلب إلى بطل قومي وتصدرت قصته الصحف العالمية.
كما شهدت البطولة مواقف إنسانية مؤثرة، منها بكاء لاعبين كبار بعد خسارة النهائي، وفرحة شعوب كاملة عند التتويج الأول، وتحول بعض اللاعبين من أحياء فقيرة إلى رموز وطنية بفضل إنجازاتهم في كأس العالم.
واليوم لم تعد كأس العالم مجرد بطولة رياضية، بل أصبحت مناسبة ثقافية واقتصادية وإعلامية عالمية. فالدول تتنافس على استضافتها لما تحققه من حضور دولي ومكاسب سياحية وتنموية، والشركات تتسابق لرعايتها، والجماهير تنتظرها بشغف لا يتكرر إلا مرة كل أربع سنوات.
وهكذا، وبعد أكثر من تسعين عاماً على انطلاق النسخة الأولى، ما زالت كأس العالم تحتفظ بسحرها الخاص. فمن حلم صغير حمله جول ريميه في بدايات القرن العشرين، ولدت بطولة أصبحت رمزاً عالمياً للشغف والأمل والتنافس الشريف. وبين صافرة البداية ودموع التتويج، تواصل هذه البطولة كتابة فصول جديدة من الحكاية التي تجمع العالم حول كرة واحدة، لكنها تحمل في داخلها ملايين الأحلام.
كاتب رأي
