كُتاب الرأي

مضيق هرمز والكيبلات البحرية

مضيق هرمز والكيبلات البحرية

هل يستطيع العالم العيش بدونها؟ وكيف يمكن للسعودية تجاوز أي انقطاع؟

أصبح مضيق هرمز معروفًا عالميًا باعتباره شريانًا رئيسيًا للطاقة العالمية، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز. لكن ما لا يدركه كثيرون أن قاع هذا المضيق لا يحمل النفط فقط، بل يحمل أيضًا جزءًا مهمًا من حركة الإنترنت والبيانات والاتصالات العالمية عبر شبكة معقدة من الكيبلات البحرية الضوئية.

ومع تصاعد التوترات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة، برز سؤال مهم: ماذا لو تعرضت كيبلات الإنترنت البحرية في مضيق هرمز للتخريب أو القطع؟ وهل سيؤدي ذلك إلى شلل عالمي في الاتصالات أم أن هناك بدائل قادرة على امتصاص الصدمة؟

أولًا: ما هي أهم الكيبلات البحرية التي تمر عبر مضيق هرمز؟

تمر عبر منطقة مضيق هرمز وخليج عمان عدة كيبلات دولية رئيسية، من أبرزها:

* AAE-1 (Asia Africa Europe-1)
* FALCON
* Gulf Bridge International (GBI)
* Tata TGN-Gulf
* أجزاء من منظومات SEA-ME-WE
* مشاريع مستقبلية أخرى قيد التطوير والتوسعة

وتربط هذه الكيبلات دول الخليج بآسيا وأوروبا وإفريقيا، وتشكل جزءًا من البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها البنوك، وأسواق المال، وشركات النفط، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي. (Reuters)

ثانيًا: هل سيؤدي قطع كيبلات هرمز إلى انهيار الإنترنت العالمي؟

الإجابة المختصرة: لا.

الإنترنت العالمي صُمم منذ البداية ليعمل وفق مبدأ التكرار والبدائل (Redundancy).

صحيح أن قطع جميع كيبلات هرمز دفعة واحدة سيؤدي إلى اضطرابات كبيرة، لكنه لن يؤدي إلى انقطاع الإنترنت عن العالم.

ما سيحدث غالبًا هو:

* بطء ملحوظ في حركة البيانات.
* ارتفاع زمن الاستجابة (Latency).
* تأثر الخدمات السحابية.
* ضغط هائل على المسارات البديلة.
* اضطرابات في بعض المعاملات المالية والاتصالات الدولية.
* ارتفاع تكلفة نقل البيانات.

أما أوروبا وآسيا فلديهما عشرات الكيبلات الأخرى التي لا تمر أصلًا عبر مضيق هرمز، بل عبر البحر الأحمر والبحر المتوسط والمحيط الهندي ومسارات برية متعددة. (resources.telegeography.com)

ثالثًا: من هي الدول الأكثر تضررًا؟

الدول الأكثر عرضة للتأثر هي:

* الإمارات
* قطر
* البحرين
* الكويت
* العراق
* إيران

وذلك بسبب اعتماد جزء كبير من اتصالاتها الدولية على الكيبلات المارة في الخليج العربي ومضيق هرمز.

أما السعودية وعُمان فتمتلكان ميزة استراتيجية مهمة تتمثل في امتلاك منافذ بحرية إضافية خارج الخليج العربي.

رابعًا: لماذا تعد السعودية الأقل تأثرًا نسبيًا؟

تتميز المملكة العربية السعودية بموقع جغرافي فريد يمنحها خيارات لا تتوفر لمعظم دول الخليج.

فالسعودية لا تطل فقط على الخليج العربي، بل تمتلك أيضًا ساحلًا طويلًا على البحر الأحمر يمتد لأكثر من 1800 كيلومتر.

وهذا يمنحها إمكانية استقبال وربط الكيبلات الدولية من اتجاهين مختلفين:

1. الخليج العربي.
2. البحر الأحمر.

وبالتالي فإن أي مشكلة في هرمز لا تعني بالضرورة انقطاع المملكة عن العالم.

خامسًا: ما هي البدائل السعودية في حال تعطلت كيبلات هرمز؟

1- الاعتماد على كيبلات البحر الأحمر

يعد البحر الأحمر اليوم أحد أهم الممرات الرقمية في العالم.

تمر عبره عشرات الكيبلات الدولية التي تربط آسيا بأوروبا عبر مصر والبحر المتوسط.

وبإمكان السعودية إعادة توجيه جزء كبير من الحركة الرقمية عبر محطات الإنزال الموجودة على ساحل البحر الأحمر. (submarinecablemap.com)

2- الشبكات البرية العابرة للمملكة

تمتلك السعودية شبكة ألياف ضوئية ضخمة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.

وبالتالي يمكن استقبال البيانات من الشرق وإعادة توجيهها غربًا أو العكس دون الحاجة للمرور عبر هرمز.

3- الربط مع الأردن ومصر

يمكن للبيانات أن تنتقل من السعودية إلى الأردن ثم إلى أوروبا عبر البحر المتوسط.

كما يمكن استخدام الربط المباشر مع مصر عبر البحر الأحمر.

4- المسارات الجديدة عبر العراق وتركيا

بدأت دول المنطقة بدراسة وتطوير مسارات برية جديدة تمر عبر العراق وتركيا لتقليل الاعتماد على المضائق البحرية الحساسة. (WIRED)

5- الأقمار الصناعية

رغم أن الأقمار الصناعية ليست بديلًا كاملاً للكيبلات البحرية بسبب محدودية السعة وارتفاع التكلفة، إلا أنها تشكل خط دفاع إضافيًا للطوارئ. (Reuters)

سادسًا: ماذا لو تعطلت هرمز والبحر الأحمر معًا؟

هنا تكمن المشكلة الحقيقية.

فإذا تعرض مضيق هرمز والبحر الأحمر في الوقت نفسه لتعطيل واسع النطاق، فإن العالم سيواجه واحدة من أكبر أزمات الاتصالات الرقمية في العصر الحديث.

في هذه الحالة سترتفع تكاليف البيانات بشكل كبير، وستتأثر التجارة الإلكترونية والبنوك وأسواق المال ومراكز البيانات العالمية وشركات الذكاء الاصطناعي.

ولهذا السبب بدأت دول المنطقة تنظر إلى البنية الرقمية باعتبارها جزءًا من الأمن القومي، تمامًا كما تنظر إلى النفط والغاز والموانئ. (WIRED)

الخلاصة

رغم الأهمية الاستراتيجية الهائلة لمضيق هرمز، فإن العالم لن يفقد الإنترنت إذا تعرضت كيبلاته للقطع. لكن دول الخليج ستكون أول المتضررين، وستواجه ضغوطًا كبيرة على شبكاتها الرقمية واقتصاداتها.

أما المملكة العربية السعودية فتتمتع بميزة جغرافية واستراتيجية استثنائية تجعلها أكثر قدرة على امتصاص الصدمات بفضل تعدد منافذها البحرية، ووجود البحر الأحمر، وشبكات الألياف العابرة للمملكة، ومشاريع الربط الإقليمي والدولي المتنامية.

لقد أصبح واضحًا أن معركة المستقبل لن تكون فقط على النفط والموانئ والممرات البحرية، بل أيضًا على الكيبلات البحرية التي تنقل البيانات، والتي أصبحت شرايين الاقتصاد الرقمي العالمي.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
2 جون (يونيو) 2026

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.