الغموض المنظم

الغموض المنظم
رأس المال السياسي الخفي
*رؤية تحليلية استراتيجية .*
*تبدو المفارقة لافتة في الأزمة الأمريكية ـ الإيرانية الراهنة. فالمعلومات المتاحة أكثر من أي وقت مضى، والتصريحات الرسمية تتوالى بصورة شبه يومية، والتسريبات السياسية تملأ وسائل الإعلام، والوسطاء يتحركون بين العواصم باستمرار. ومع ذلك لا يبدو المشهد أكثر وضوحًا، بل أكثر تعقيدًا.*
*فكلما ارتفع ( تدفق وتوفر المعلومات )، أتسعت مساحة التفسيرات.*
*تصريح يتحدث عن تقدم سياسي، يعقبه تصريح يشدد على إستمرار الخلافات. رسالة توحي بإمكانية التهدئة، تتبعها أخرى تؤكد بقاء أدوات الضغط. توقعات بقرب التفاهم، يقابلها حديث عن شروط لم تحسم بعد. ومع تكرار هذا المشهد لم يعد ( الغموض ) مجرد وصف للأزمة، بل أصبح جزءًا من ( آلية إدارتها ).*
كثير من الأزمات الدولية لا تدار عبر الوضوح الكامل، بل عبر التحكم المدروس في حدود الوضوح نفسه. فالدول لا تكشف دائمًا كل ما تعرفه، ولا تعلن كل ما تنويه، ولا تضع جميع أوراقها على الطاولة دفعة واحدة. وفي أحيان كثيرة يصبح ما لا يقال أكثر تأثيرًا مما يقال.
من هنا لم يعد الغموض مجرد نتيجة لنقص المعلومات، بل تحول إلى ( أصل سياسي ) ذي قيمة استراتيجية. فكما تستثمر الدول في الاقتصاد والتقنية والتحالفات والقدرات العسكرية، تستثمر أيضًا في ( إدارة الإدراك ) وصناعة التوقعات والتحكم في مستوى اليقين المتاح للآخرين.
فالخصم الذي لا يستطيع التنبؤ بخطوتك المقبلة يضطر إلى توسيع دائرة احتياطاته. والحليف الذي لا يمتلك صورة كاملة يبقى أكثر ارتباطًا بمصدر المعلومة. أما الأسواق والمؤسسات الاقتصادية فتعيد حساباتها مع كل إشارة جديدة، حتى لو كانت تلك الإشارة غير مكتملة.
ولهذا يكتسب الغموض قيمة خاصة في إدارة الأزمات. فهو يمنح صناع القرار مساحة أوسع للمناورة، ويبقي الخيارات المختلفة مفتوحة، ويؤجل ( لحظة الاختبار الحاسم ). لذلك تلجأ بعض الدول إلى إدارة ضبابية محسوبة، ليس لإخفاء الحقيقة بالكامل، بل للتحكم في توقيت ظهورها وحدود فهمها.
لكن هذا الأصل السياسي يحمل مخاطر كامنة. فالتاريخ السياسي والعسكري يكشف أن كثيرًا من الأزمات لم تنفجر بسبب غياب الرسائل، بل بسبب ( اختلاف تفسيرها ). كل طرف كان يعتقد أنه فهم ما يقصده الطرف الآخر، بينما كان يبني قراراته على قراءة مختلفة تمامًا. وعند تلك اللحظة يتحول الغموض من مصدر قوة إلى مصدر خطر.
ولهذا تبدو الأزمة الأمريكية ـ الإيرانية الحالية وكأنها تدور على مستويين متوازيين؛ مستوى ظاهر يتعلق بالملفات المعروفة من البرنامج النووي إلى العقوبات والنفوذ الإقليمي وأمن الممرات البحرية، ومستوى أقل ظهورًا يتعلق بالصراع على ( تشكيل الإدراك ) نفسه؛ أي على ما يعتقده كل طرف عن نوايا الطرف الآخر وحدود خياراته الحقيقية.
*وفي هذا المستوى تحديدًا تصبح ( إدارة التوقعات ) جزءًا من إدارة الأزمة. فالتأثير في ما يظنه الخصم قد يكون أحيانًا أكثر أهمية من التأثير في ما يفعله. ولهذا لا تقاس القوة فقط بما تملكه الدول من قدرات، بل أيضًا بما تستطيع حجبه منها أو تأجيل الكشف عنه أو ترك الآخرين في حالة بحث دائم عنه.*
*وربما لهذا السبب تستمر بعض الأزمات سنوات طويلة رغم كثافة الاتصالات وكثرة الوسطاء وتعدد المبادرات. فالمشكلة لا تكون دائمًا في غياب الحلول، بل في تضارب التصورات حولها، وفي رغبة كل طرف في الاحتفاظ بجزء من الصورة بعيدًا عن أعين الآخرين.*
*وفي عالم السياسة الدولية المعاصر، قد لا يكون أخطر ما تواجهه الدول هو ما تعرفه عن خصومها، بل ما تعتقد أنها تعرفه بينما الحقيقة ما زالت مختبئة خلف طبقات من الرسائل المتعارضة والإشارات غير المكتملة.*
*ليست كل أشكال القوة ما تملكه الدول من موارد وقدرات… فبعض النفوذ يتشكل من القدرة على إدارة ما يعرفه الآخرون، وما يجهلونه، و( الحد الفاصل بينهما )*.
كتبه:
اللواء البحري الركن / م.
عبدالله بن سعيد الغامدي
*الأحد (31 ) مايو 2026*

