فاضي شوية
الذكاء الاصطناعي جسراً نحو العالم الإنساني

الذكاء الاصطناعي جسراً نحو العالم الإنساني
لم يكن أحد يتوقع، قبل عقد من الزمن، أن يجلس شخص في منتصف الليل يبثّ همومه لبرنامج حاسوبي، أو أن يشعر بالراحة حين يتلقى ردوداً آلية تبدو أكثر تفهماً مما يلقاه أحياناً من المقربين. غير أن هذا المشهد بات اليوم حقيقة يعيشها الملايين حول العالم، في ظل انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تدّعي القدرة على المحادثة والمؤانسة وحتى الدعم النفسي.
ما يجري اليوم ليس مجرد تطور تقني عابر، بل إعادة رسم لخارطة التواصل البشري من جذورها، فقد باتت التطبيقات الذكية قادرة على تذكّر التفاصيل الشخصية، واستشعار نبرة الحزن أو الفرح في النصوص، وتقديم استجابات مُصاغة بدقة مدهشة، ويذهب بعض الباحثين في علم النفس الاجتماعي إلى أن هذه الأدوات قد تُشكّل متنفساً حقيقياً لأشخاص يعانون من الوحدة أو صعوبات في التواصل الاجتماعي، لا سيما في المجتمعات الحضرية التي باتت تعاني من وباء صامت اسمه العزلة، حتى وسط الازدحام. بيد أن الخطر الحقيقي يكمن في ما يمكن تسميته بـ”الإشباع الزائف”؛ إذ يسدّ التفاعل مع الآلة الفراغ العاطفي مؤقتاً، دون أن يُعالج أسبابه الجذرية.
على الصعيد الأسري والاجتماعي، تطفو تساؤلات أعمق تتعلق بطبيعة الروابط التي نعيشها، ثمة أزواج باتوا يلجؤون إلى الذكاء الاصطناعي للتحكيم في خلافاتهم، وأطفال يُفضّلون محادثة المساعد الرقمي على مناقشة مشكلاتهم مع والديهم، وتكشف هذه الظاهرة عن أزمة أعمق في جوهر التواصل الإنساني؛ فحين تعجز العلاقات الحقيقية عن توفير الأمان والاحتواء، تغدو الآلة البديلَ الأيسر والأقل مخاطرة. غير أن العلاقات الإنسانية في جوهرها تقوم على الهشاشة المشتركة والتجربة المتبادلة وقبول الاختلاف، وهي أبعاد لا تستطيع أي خوارزمية، مهما بلغت درجة تعقيدها، أن تحاكيها على نحو حقيقي.
لا يعني هذا أن العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي محكوم عليها بالسلبية بالضرورة، فثمة توظيفات واعدة تستحق الإشادة؛ من بينها استخدام هذه التقنية في دعم المرضى الذين يعانون من اضطرابات التوحد في تطوير مهاراتهم التواصلية، أو مساعدة المصابين بالقلق الاجتماعي على التدرب في بيئة آمنة قبل خوض تجارب اجتماعية حقيقية. والفارق الجوهري هنا يكمن في التوجه؛ فحين يكون الذكاء الاصطناعي جسراً نحو العالم الإنساني، فإنه يُؤدي دوراً نبيلاً، أما حين يتحول إلى غاية في حد ذاتها وملاذاً دائماً بديلاً عن الحياة الاجتماعية، فإنه يُسهم في تعميق الهوّة التي جاء ليسدّها.
في نهاية المطاف، تبقى المسؤولية فردية وجماعية في آن واحد، فالتقنية شأنها شأن أي اختراع بشري، لا تحمل في ذاتها حكماً أخلاقياً، بل تكتسبه من الطريقة التي نُوظّفها بها. والرهان الحقيقي اليوم ليس على كبح الذكاء الاصطناعي أو الاستسلام له، بل على تنشئة وعي نقدي قادر على التمييز بين ما تقدمه الآلة وما لا يمكن لأي شيء أن يحلّ محله: ذلك الدفء الذي ينبع من حضور إنسان آخر يحمل أثقاله الخاصة ويختار مع ذلك أن يكون إلى جانبك.
