الحوثيون .. عندما يصطدم الهجوم بثبات الأرض .

الحوثيون .. عندما يصطدم الهجوم بثبات الأرض .
رؤية تحليلية عسكرية .
السبت الموافق ( 3 ) أكتوبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( تبدأ مقدمات الاستنزاف عندما تخلط قيادة عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة بين القدرة على مواصلة الهجوم والقدرة على تحقيق النصر ؛ فدفع الأنساق إلى الأمام قد يطيل أمد القتال ، لكنه لا يصنع نصرا ما لم يتحول إلى اختراق للأرض والاحتفاظ بها والقدرة على استثمار النجاح . )
1 ـ الموقف العملياتي الراهن .
المعركة في تعز لم تحسم ، و عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة ما زالت تحاول الاحتفاظ بزخم هجومها ، وتدفع بأنساق قتالية وتعزيزات على أكثر من محور ، بحثا عن إختراق يمكن تطويره إلى مكسب ميداني يغير خطوط التماس .
وفي المقابل ، تواجه القوات المسلحة اليمنية هذه المحاولات بثبات دفاعي وكثافة نارية متصاعدة ، تستهدف التجمعات والتحشيدات والتعزيزات ووسائط النيران والحركة وخطوط الإمداد ، بما يحد من حرية المناورة الحوثية ، ويضغط على قدرة القوة المهاجمة على الوصول إلى خطوط الاشتباك بكامل قدرتها القتالية .
وأعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ ( 474 ) ضربة وعملية استهداف خلال أربع وعشرين ساعة على عدة جبهات ، باستخدام الطيران والمسيرات والمدفعية والصواريخ ووسائط نارية أخرى ، وقالت إن معظم الخسائر الحوثية وقعت في تعز . وتبقى أرقام الخسائر البشرية والمادية حصيلة معلنة من القوات الحكومية إلى أن يتوافر تحقق مستقل كامل منها .
2 ـ ماذا تريد قيادة الحوثيين من تعز ؟
استمرار الهجوم رغم الخسائر يعني أن تعز ليست جبهة ثانوية في الحساب العملياتي الحوثي .
فموقعها ، وامتداد طرقها ، واتصالها بمحاور الساحل الغربي ولحج ، وطبيعة أرضها ومرتفعاتها وممراتها ، تمنحها قيمة عسكرية تتجاوز حدود المحافظة نفسها .
وتسعى قيادة عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة إلى صناعة إختراق يخل بالتوازن الدفاعي ، ويجبر القوات اليمنية على إعادة توزيع قواتها واحتياطاتها ووسائط إسنادها ، ثم استثمار أي نجاح أولي لتوسيع الاختراق وفرض واقع جديد على الأرض .
ولهذا لا يقاس نجاح القوة المهاجمة بعدد الهجمات ولا بعدد المقاتلين المدفوعين إلى الجبهة ، بل بمقدار ما تنتزعه من أرض ، وما تستطيع الاحتفاظ به وتأمينه واستخدامه قاعدة لتطوير العملية التالية .
3 ـ الأرض الحاكمة وخطوط المواصلات .
في تعز لا يمكن فصل القتال عن ( طبيعة الأرض ) .
فالمرتفعات والممرات والطرق ونقاط السيطرة تمنح من يسيطر عليها مزايا في المراقبة والنيران والحركة والإمداد والمناورة . والسيطرة على الأرض الحاكمة لا تعني امتلاك مساحة جغرافية فقط ، بل امتلاك قدرة أفضل على التأثير في حركة الخصم وتقليص خياراته العملياتية .
وقد برزت أهمية خطوط المواصلات بصورة أوضح مع إغلاق ( معبر الحوبان في تعز ) ، في ظل التطورات الأمنية ومحاولات التسلل والهجمات والتحشيد العسكري التي تحدثت عنها مصادر عسكرية يمنية . وهذا يؤكد أن جزءا من الصراع لم يعد يدور حول مواقع التماس وحدها ، بل إمتد إلى الطرق والمعابر ومسارات الحركة .
فالطريق العسكري شريان للذخيرة والوقود والتعزيز والإخلاء وإعادة تكوين القوة . وعندما يصبح هذا الشريان تحت الرصد أو الاستهداف أو الإغلاق ، تتأثر سرعة وصول الاحتياط ، ويتباطأ الإمداد ، وتضيق حرية المناورة ، وقد تصل القوة إلى خط التماس متأخرة أو مجزأة أو أقل قدرة مما خططت له قيادتها .
وفي الحرب ، قد يكون تأخير الإحتياط في اللحظة الحرجة مساويا في أثره العملياتي لحرمان المعركة منه .
4 ـ النيران تضرب دورة الهجوم الحوثي .
القيمة العسكرية للضربات الحالية لا تكمن في عددها وحده ، وإنما في ( نوع الهدف وتوقيت استهدافه ) .
فضرب مجموعة حوثية بعد وصولها إلى خط التماس يختلف عن ضربها وهي تتحشد أو تتحرك نحوه . واستهداف الذخائر ووسائط الحركة يختلف في أثره عن استهداف موقع ثابت منفرد .
وعندما تضرب المجموعة قبل انتشارها ، والتعزيز قبل التحامه ، والذخيرة قبل وصولها ، ووسيلة الحركة قبل استخدامها ، فإن النيران تعمل على تفكيك النسق القتالي قبل اكتماله .
وبذلك يصبح الإسناد الناري أداة لتعطيل ( دورة الهجوم الحوثي ) : الحشد ، ثم الحركة ، ثم الانتشار ، ثم الاشتباك ، ثم التعزيز ، ثم إعادة التنظيم .
وكل حلقة تضرب في هذه الدورة تنعكس على الحلقة التي تليها ، وتزيد العبء على القيادة والسيطرة والإمداد والاحتياط .
فالزمن هنا جزء من القوة ؛ وكل دقيقة يتأخر فيها النسق المهاجم تمنح المدافع وقتا إضافيا للرصد ، وإعادة توزيع النيران ، وتحريك الاحتياط ، وإغلاق الثغرات .
5 ـ معركة المبادأة وإيقاع العمليات .
( المبادأة لم تحسم بعد . )
عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة ما زالت تهاجم ، وما زالت تمتلك قدرة على دفع المقاتلين والتعزيزات واستخدام الصواريخ والمسيّرات ووسائط النيران .
لكن استمرار الهجوم لا يعني تلقائيا الاحتفاظ بالمبادأة .
فالمبادأة عملياتيا هي القدرة على فرض إجراءات المعركة واتجاهها وزمانها ، وإجبار الخصم على التحرك داخل حساباتك بدلا من أن تتحرك داخل حساباته .
فإذا استنزفت الأنساق الحوثية قبل تحقيق الإختراق ، واضطرت قيادة الحوثيين إلى تغيير محاور الحركة ، وتجزئة التعزيزات ، وإعادة توزيع الإحتياط ، والبحث عن طرق إمداد بديلة تحت ضغط النيران ، فقد تستمر في الهجوم بينما تتراجع تدريجيا حرية عملها العملياتي .
وهنا يصبح السؤال الأهم : من يفرض إيقاع العمليات على الآخر ؟
6 ـ الاحتياط وقدرة الحوثيين على إعادة تكوين القوة .
الإحتياط ليس مجرد قوة تنتظر خلف الجبهة ، بل أداة القيادة لمعالجة الإختراق ، واستثمار النجاح ، وتعزيز الجهد الرئيسي ، والتعامل مع التطورات غير المتوقعة .
ولهذا فإن استهلاك الاحتياط الحوثي أو إجباره على الانتقال المتكرر بين المحاور يحمل دلالة أكبر من الخسارة العددية وحدها .
فكل قوة تدفع لتعويض خسائر محور تصبح غير متاحة لمحور آخر . وكل احتياط يستخدم مبكرا يقلل خيارات القيادة في المراحل اللاحقة . وكل خسارة لا تعوض بالسرعة المطلوبة تخفض القدرة القتالية المتاحة للجولة التالية .
وهذا هو الاستنزاف العملياتي الحقيقي : ألا تخسر الرجال والعتاد فقط ، بل أن تبدأ بخسارة الخيارات .
7 ـ العامل الإيراني والعمق العسكري الحوثي .
أظهرت تقارير دولية خلال الأشهر الأخيرة استمرار الصلة العسكرية بين النظام الإيراني والحوثيين ، بما يشمل خبرات ومعدات مرتبطة بالصواريخ والمسيرات ، فيما تنكر و تتنكر طهران أنها توجه العمليات العسكرية الحوثية بصورة مباشرة .
وفي الوقت نفسه يخوض النظام الإيراني صراعا عسكريا مباشرا ويواجه ضغوطا عسكرية واقتصادية متزايدة ، بما يفتح سؤالا عملياتيا مهما أمام قيادة عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة : هل يستطيع مستوى الإسناد الإيراني أن يبقى كما كان إذا احتاجت طهران مواردها وقدراتها وخبراتها لتعويض خسائرها وحماية جبهتها الداخلية ؟
( ومن المرجح أن تتقدم مصلحة النظام الإيراني على مصلحة الحوثيين إذا تعارضت المصلحتان . ) ولذلك فإن قدرة الحوثيين على استدامة الحرب لا يمكن فصلها تماما عن قدرة طهران نفسها على المحافظة على مستوى الإسناد الذي اعتادته الجماعة .
وهذا بحد ذاته عامل ضغط ؛ لأن القوة التي تبني جانبا من قدرتها على إسناد خارجي لا تقاتل بالعتاد وحده ، بل تقاتل أيضا على افتراض استمرار وصول ذلك الإسناد .
8 ـ اتساع الجبهات وتوزيع الجهد الحوثي .
تشير تقارير دولية حديثة إلى أن خيارين عسكريين يجري بحثهما : الأول يركز على ( الساحل وباب المندب ) ، والثاني يقوم على عملية أوسع تتزامن فيها الضغوط على عدة جبهات تشمل ( تعز ومأرب والبيضاء والجوف ) .
وهذه خيارات قيد الدراسة والتحضير ، وليست حتى الآن هجوما بريا شاملا معلنا بدأ تنفيذه على الأرض .
لكن انتقالها من التخطيط إلى التنفيذ ، إن حدث ، سيضع قيادة الحوثيين أمام معضلة عملياتية ثقيلة .
فتعدد الجبهات يفرض توزيع القوة والاحتياط ووسائط النيران والإمداد والقيادة والسيطرة والإتصالات . ومع اتساع مسرح العمليات تصبح معرفة ( الجهد الرئيسي ) للقوات المقابلة أكثر صعوبة ، بينما تصبح حماية جميع المحاور بالقوة نفسها أمرا غير ممكن .
وعندها يبرز السؤال الأصعب أمام قيادة الحوثيين : أي محور تدافع عنه أولا ؟ وأين تدفع الإحتياط ؟ وأي جبهة تستطيع المخاطرة بإضعافها ؟
9 ـ أين يقف ميزان المعركة ؟
الموقف الراهن لا يسمح بوصف المجاميع الحوثية بأنها منهارة ، كما لا يقدم دليلا كافيا على أن هجومها حقق غايته العملياتية .
المجموعات الحوثية ما زالت تحتفظ بقدرة هجومية ، لكنها حتى الآن لم تحول استمرار الهجوم إلى نتيجة عملياتية حاسمة على الأرض . وفي المقابل ، تتمسك القوات المسلحة اليمنية بمواقعها ، وتواجه محاولات الإختراق ، وتستخدم كثافة نارية كبيرة لإضعاف القوة المهاجمة وتعطيل تعزيزها وإرباك إيقاع عملياتها .
ويبقى ( المعيار هو الأرض ) .
وفي حساب النتائج ، لا تكفي المبادأة بالنيران إذا لم تتبعها مبادأة بالحركة ، ولا تكفي الحركة إذا لم تنته بالسيطرة ، ولا تكتمل السيطرة إلا بالاحتفاظ بالأرض ومنع الخصم من استعادتها .
فكل موقع تحافظ عليه القوات المسلحة اليمنية رغم الضغط هو هدف لم يستطع المهاجم انتزاعه . وكل محاولة هجوم يجري صدها تعني أن المجاميع الحوثية دفعت جزءا من قدرتها القتالية من دون أن تحقق النتيجة التي تحركت من أجلها .
والمقاتل اليمني الذي يثبت اليوم في تعز يقاتل على أرض يعرف تضاريسها ومسالكها ، ويحول معرفته بها إلى عنصر قوة في الدفاع والمناورة والصمود . وثباته يحافظ على تماسك خط الدفاع ، ويحمي الجناح والعمق ، ويمنح الإحتياط والقيادة والنيران وقتا إضافيا للعمل .
10 ـ كلفة الهجوم والضغط على معنويات المهاجم .
المعركة تدخل مرحلة يصبح فيها العبء المعنوي المحتمل على القوة الحوثية المهاجمة جزءا من الحساب العملياتي نفسه .
فتكرار الهجوم يحتاج إلى نتيجة تبرر الثمن المدفوع . أما إذا تكررت المحاولات ، واستهلكت القوة والذخيرة والوقت ، وبقي خط الدفاع المقابل متماسكا ، فإن المسألة لا تعود مرتبطة بالقدرة على إصدار أمر هجوم جديد فقط ، بل ( بجدوى تكرار الهجوم نفسه ) .
وكل هجوم لا يبلغ غايته يفرض على قيادة عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة إعادة التنظيم ، وتعويض الخسائر ، واستدعاء تعزيزات جديدة ، والمحافظة على تماسك الأنساق ، ثم إعادة دفع القوة إلى الميدان .
ومع التكرار تظهر آثار عملياتية محتملة : الإرهاق القتالي ، والضغط على الاحتياط ، والحاجة إلى إعادة تكوين الوحدات ، والمحافظة على الثقة بالمهمة والقيادة والقدرة على بلوغ الغاية .
وأقسى ما يواجه القوة المهاجمة ليس أن تفشل في محاولة واحدة ، بل أن تصبح جدوى المحاولة التالية نفسها موضع اختبار .
وهنا تصبح المحافظة على الأرض أكثر من نجاح دفاعي . إنها تعني أن المهاجم مطالب في كل مرة بدفع كلفة جديدة للحصول على الهدف نفسه الذي عجز عن بلوغه في المحاولة السابقة .
فالاستنزاف يبدأ بالرجال والعتاد ، لكنه يصبح أشد أثرا عندما يصل إلى الثقة بجدوى الهجوم نفسه .
11 ـ الخلاصة .
أمام قيادة عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة معادلة لا تحل بكثرة المقاتلين وحدها : دفع مزيد من الأنساق لا يضمن اختراقا ، وزيادة النيران لا تعني السيطرة على الأرض ، واستهلاك الاحتياط لا يمكن أن يستمر بلا حدود .
أما على مستوى القوة الحوثية المهاجمة ، فإن تكرار الهجوم من دون تحقيق الغاية العملياتية يطرح سؤالا ثقيلا : ( إذا دفعت القوة الثمن ثم بقيت الأرض في يد المدافع ، فما الذي ستغيره المحاولة التالية ؟ )
الصاروخ لا يحتفظ بمرتفع ، والمسيرة لا تمسك طريقا ، وكثرة الأنساق لا تغير خط التماس بمجرد وصولها إليه .
( المعيار هو الأرض . )
فإذا بقيت الأرض التي هوجمت في يد القوات المسلحة اليمنية ، بقيت معها حقيقة عسكرية واضحة : أن الهدف العملياتي لم يتحقق بعد .
وفي المقابل ، فإن المقاتل اليمني الذي يحافظ على موقعه لا يبدأ يومه التالي من الصفر ؛ بل يبدأه من أرض بقيت في يده ، وخبرة اكتسبها ، وثقة عززها الصمود .
أما القوة المهاجمة التي تعود بعد أن استهلكت جزءا من رجالها وعتادها واحتياطها ، فإنها تحمل إلى المحاولة التالية كلفة المحاولة السابقة وأسئلتها .
فالخطر على القوة المهاجمة لا يبدأ عندما تعرف أنها دفعت ثمنا ، بل عندما يصبح سؤال جدوى الاستمرار عاملا ضاغطا على تماسكها وثقتها بالمهمة .
وهذا هو الامتحان الأصعب أمام قيادة الحوثيين : ليس قدرتها على إصدار أمر هجوم جديد ، وإنما قدرتها على المحافظة على تماسك القوة وفاعليتها إذا توالت المحاولات ولم تتغير النتيجة على الأرض .
وفي الحروب إجمالا ، لا يكون التفوق لمن بدأ الهجوم بأعلى صوت ، بل لمن حافظ على تماسك قوته وأرضه عندما بدأ الآخر يحصي كلفة الطريق .

أشكر سعادة اللواء عبدالله الغامدي على هذا التحليل العسكري المتوازن. وأرى أن استعادة المواقع الاستراتيجية مؤشر إيجابي، لكن الحكم على تحول ميزان المعركة يتطلب تثبيت المكاسب واستمرار المبادأة. فالحسم لا يتحقق بالتقدم الميداني وحده، بل بوحدة الصف اليمني، وقطع مصادر الدعم الخارجي للحوثيين، واستعادة الدولة ومؤسساتها، بما ينهي معاناة الشعب اليمني ويحفظ أمن المنطقة واستقرارها.