كُتاب الرأي

*ماذا بعد (100) يوم على حرب إيران؟*

*ماذا بعد (100) يوم على حرب إيران؟*

*رؤية تحليلية .*

*بعد مرور أكثر من (100) يوم على إندلاع الحرب الراهنة، لم يعد السؤال الأكثر أهمية من إنتصر ومن خسر، بل ماذا بقي بعد أن استهلكت الحرب معظم أوراقها العسكرية المباشرة، وإلى أين تتجه المنطقة بعد هذه المرحلة الطويلة من التصعيد والاحتواء المتبادل.*

*شهدت هذه الفترة عمليات عسكرية متلاحقة، وضغوطاً سياسية واقتصادية واسعة، واختبارات غير مسبوقة لأمن الملاحة الدولية في الخليج العربي ومضيق هرمز. كما كشفت الحرب حجم الترابط بين الأمن الإقليمي واستقرار الاقتصاد العالمي، وأكدت أن أي اضطراب في هذه المنطقة لا يبقى محصوراً داخل حدودها الجغرافية، بل يمتد أثره إلى الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد ومصالح الدول الكبرى.*

*ورغم التفوق العسكري والتقني ( الهائل ) الذي أظهرته الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل ، ورغم قدرة إيران على الإستمرار في المواجهة ورفع كلفة الصراع على خصومها، فإن الحرب لم تنتج حتى الآن حسمًا سياسياً نهائياً لأي طرف. ولهذا عاد التفاوض تدريجياً إلى واجهة المشهد بوصفه الأداة الوحيدة القادرة على تحويل الوقائع العسكرية إلى نتائج إستراتيجية دائمة.*

*وأعادت الساعات الأخيرة التذكير بهشاشة الوضع القائم بعد إعلان الرئيس الأمريكي / دونالد ترامب أن إيران أسقطت مروحية أمريكية من طراز أباتشي فوق مضيق هرمز، مؤكداً أن الولايات المتحدة ( يجب أن ترد ) على هذا الحادث. وتكمن أهمية هذه الواقعة في دلالتها السياسية والعسكرية أكثر من تفاصيلها التكتيكية، إذ تؤكد أن المنطقة ما زالت تقف على حافة تصعيد يمكن أن تفرضه حسابات الميدان في أي لحظة.*

وتشير المعطيات الحالية إلى أن الصراع انتقل من مرحلة البحث عن الحسم العسكري إلى مرحلة التنافس على شروط التسوية. فواشنطن تسعى إلى ترجمة تفوقها العسكري إلى ترتيبات أمنية طويلة الأمد تحافظ على استقرار المنطقة وحرية الملاحة الدولية. وتحاول طهران المحافظة على ما تبقى من أوراق القوة التي تمكنها من تحسين موقعها التفاوضي وتقليل كلفة أي اتفاق مستقبلي. أما إسرائيل فتسعى إلى ضمان ألا تسمح أي تسوية نهائية بإعادة إنتاج مصادر التهديد التي دفعتها إلى خوض هذه المواجهة.

*غير أن القضية الأهم لا تتعلق بالأطراف المتحاربة وحدها، بل بمستقبل الخليج العربي نفسه. فقد أثبتت الأزمة أن أمن الطاقة وأمن الملاحة وأمن الاقتصاد العالمي أصبحت ملفات مترابطة بصورة غير مسبوقة، وأن استقرار مضيق هرمز لم يعد قضية إقليمية فحسب، بل مصلحة دولية مشتركة تمس مصالح الشرق والغرب على حد سواء.*

كما أكدت هذه الحرب حقيقة قديمة تتجدد في كل أزمة كبرى؛ وهي أن الجغرافيا ما زالت تحتفظ بمكانتها كأحد أهم عناصر القوة في العلاقات الدولية. فالدول تستطيع تغيير سياساتها وتحالفاتها، وقد تتغير الحكومات والقيادات، لكن الممرات البحرية والمواقع الإستراتيجية تبقى حقائق ثابتة تفرض حضورها على جميع الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية.

*ولا يمكن قراءة ما جرى خلال أكثر من (100) يوم من الحرب بمعزل عن السبب الذي قاد المنطقة إلى هذه المرحلة من التوتر وعدم الاستقرار. فالمشهد الراهن لم ينشأ من فراغ، بل جاء نتيجة سنوات طويلة من السياسات التصعيدية التي انتهجها النظام الإيراني، سواء عبر برامجه العسكرية المثيرة للجدل، أو عبر توظيف الأذرع الإرهابية المسلحة خارج حدوده الوطنية، أو من خلال تهديد الملاحة الدولية وتعريض أمن الممرات البحرية الحيوية لمخاطر متكررة.*

ومن منظور القانون الدولي، فإن أمن الملاحة في المضائق الدولية وحماية حركة التجارة العالمية ليسا شأناً داخلياً لأي دولة، بل التزاماً دولياً جماعياً. وأي أعمال عسكرية أو تهديدات أو ممارسات تعرض حرية الملاحة أو أمن السفن والطائرات للخطر تضع مرتكبيها أمام مسؤوليات قانونية وسياسية تتجاوز حدود الإقليم إلى المجتمع الدولي بأسره.

لقد دفعت المنطقة والعالم أثماناً باهظة نتيجة هذه السياسات، سواء من خلال اضطراب الأسواق، أو ارتفاع تكاليف النقل والطاقة، أو زيادة مستويات التوتر وعدم اليقين. ولم تقتصر نتائج هذه السياسات على الإضرار بأمن الإقليم واستقراره، بل انعكست أيضاً على الداخل الإيراني نفسه، الذي تحمل أعباء اقتصادية ومعيشية وسياسية متراكمة على امتداد عقود.

فبدلاً من توجيه الموارد الوطنية نحو التنمية الاقتصادية والنهضة الصناعية وتحسين مستوى معيشة المواطن الإيراني، استنزفت مساحات واسعة من الإمكانات في مشاريع التوسع الإقليمي والصراعات الممتدة والمواجهات الإرهابية الهجومية بالوكالة. وكانت النتيجة مزيداً من التوتر، وتعميق فجوات الثقة بين إيران وجوارها، وإدخال المنطقة في أزمات متكررة دفعت شعوبها واقتصاداتها أثماناً باهظة.

وتكشف الحرب الراهنة، بعد أكثر من (100) يوم من القتال والتوتر، حجم الكلفة الإستراتيجية المترتبة على هذه السياسات الهجومية المسماة ؛ بالثورية ،( العقيمة ). فالدول قد تنجح في بناء أدوات النفوذ، لكنها لا تستطيع تجاهل كلفة إستخدامها إلى ما لا نهاية. كما أن الأزمات قد تؤجل نتائجها لسنوات، لكنها نادراً ما تلغيها. ولذلك فإن أحد أهم الدروس التي تفرضها هذه الحرب يتمثل في أن سياسات التصعيد المستمر قد تنجح في إطالة عمر الأزمات، لكنها لا تنجح في حلها، وأن الأمن الإقليمي المستدام لا يبنى على إدارة التوتر، بل على معالجته من جذوره واحترام قواعد القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار.

وتبدو المنطقة اليوم عند نهاية المرحلة العسكرية الكبرى وبداية مرحلة أكثر تعقيداً، عنوانها إعادة تشكيل التوازنات الأمنية والسياسية لما بعد الحرب. وقد لا يكون الخطر الأكبر هو عودة القتال واسع النطاق، بل سوء تقدير المرحلة المقبلة، أو المبالغة في قراءة النتائج، أو الاعتقاد بأن القوة العسكرية وحدها قادرة على إنتاج الاستقرار الدائم.

*وبعد أكثر من (100) يوم من الحرب، لم يعد السؤال كم صاروخاً أطلق هذا الطرف أو ذاك، ولا كم هدفاً أصيب أو دمر، بل ما إذا كانت المنطقة تقترب من التسوية أم من خطأ إستراتيجي جديد. فالحروب الطويلة لا تخشاها الدول حين تكون المعارك في ذروتها، بل حين يعتقد الجميع أن نهايتها أصبحت قريبة. وعند تلك اللحظة تحديداً يصبح حادث واحد فوق مياه مضيق هرمز قادراً على تغيير حسابات مائة يوم كاملة من الحرب والتفاوض والانتظار.*

*وبذلك تبدو الحرب، بعد أكثر من (100) يوم، وقد غادرت مرحلة اختبار القدرات العسكرية إلى مرحلة اختبار الإرادات السياسية، وهي مرحلة كثيراً ما تحدد مصير الحروب أكثر مما تحدده ميادين القتال نفسها.*
*ولعل أكثر ما تكشفه الحروب الطويلة أن الزمن لا يهزم الأقوياء وحدهم، بل يكشف أيضاً حدود القوة حين تظن أنها قادرة على تجاوز حقائق الجغرافيا ومسارات التاريخ. فالأرض التي تحملت قصف الصواريخ والمسيرات، وصخب المدافع، وحركة الأساطيل البحرية وطلعات التشكيلات الجوية، لا تنسى ما جرى فوقها ولا ما تركه في ذاكرتها من آثار. وحين تنقشع سحب المعارك وتتراجع أصداء المواجهات، يدرك الجميع أن السلام الذي يولد من فهم الواقع أبقى عمراً من أي نصر يولد من تجاهله.*

*ولذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي ماذا حدث خلال الأيام المائة الماضية، بل ماذا تعلمت الأطراف منها قبل أن تكتب الأيام الفصل التالي من تاريخ المنطقة. فالحروب قد تبدل موازين القوى، لكنها تعجز عن تبديل الجغرافيا، وقد تؤخر التسويات، لكنها لا تلغي الحاجة إليها. ولهذا ستبقى الكلمة الأخيرة للتاريخ لا للمدافع، وللحكمة لا للانفعال، وللأمم التي تدرك أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تحققها في ميادين القتال، بل تلك التي تعرف كيف تغادر الحرب قبل أن تغادرها الحكمة .*

كتبه :
اللواء البحري الركن م.
عبدالله بن سعيد الغامدي

*الثلاثاء ( 9 ) يونيو 2026م .*

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.