كُتاب الرأي

*لإستقرار الأُسرة و تخفيف نسب الطلاق!*

*لإستقرار الأُسرة و تخفيف نسب الطلاق!*

بقلم: الدكتور إبراهيم عباس نـَتـّو

الأسرة هي الخلية الأولى في بناء المجتمع؛ فإذا صلحت صلح ما بعدها. و مع تزايد مؤشرات التفكك و ارتفاع نسب الطلاق في مجتمعاتنا؛ صار لزاماً أن نتجاوز التشخيص إلى اقتراح إجراءات عملية تمنع الوصول إلى نقطة القطيعة.

هذه المقالة تسعى إلى إن تجمع مجموعة خطوات استباقية تهدف إلى تأسيس زواج قائم على النضج و التكافؤ و التشارك؛ فتقلّل أسباب النزاع قبل أن تولد.

*1. تأخير الزواج إلى ما بعد النضج الوظيفي:*
الاستعجال في الزواج قبل إتمام الدراسة و الحصول على فرصة عمل يضع الزوجين تحت ضغط اقتصادي و نفسي مبكر.
لذلك، أقترح التمهل حتى التخرج الجامعي؛ ثم المرور بفترة “الملف الأخضر” (..فترة البحث عن وظيفة)؛ و العمل الفعلي لسنة على الأقل؛ ليبدأ كل طرف بشيء من الاستقلال الذاتي.
و هذا لا يعني تأخير الزواج بلا حدود؛ بل إعطاءه أرضية صلبة يقف عليها.

*2. التكافؤ في النضج لا في المال فقط:*
التكافؤ المادي وحده لا يكفي؛ و المطلوب هو التكافؤ في المستوى الدراسي و النضج الشخصي و النمو الذهني و الاستقرار النفسي.
فأنّ أي فارق كبير في هذه الجوانب يخلق فجوة في الحوار و في فهم الحياة؛ فتتحول الخلافات الصغيرة إلى أزمات.
و ضمان هذا التكافؤ يبدأ من وضوح الطرفين مع نفسيهما قبل الدخول في الخطبة.

*3. ثلاث خطوات تأهيلية قبل عقد النكاح:*
الزواج ليس تجربة عشوائية؛ بل مشروع حياة يحتاج تأهيلاً. و *أقترح جعل ثلاثة إجراءات شرطاً عرفياً قبل الزواج:*
– فحص بيولوجي؛ للاطمئنان على الجوانب الصحية الأساسية.
– فحص نفساني؛ لمعرفة مدى التوافق الانفعالي و القدرة على إدارة الضغوط.
– دورة مكثفة قصيرة لكنها مركزة في مقومات العِشرة الحسنة؛ فيتم شرح الحقوق و الواجبات و آليات حل الخلاف و إدارة الميزانية و التربية الأولية.

و هذه الدورة ليست تعقيداً؛ بل هي بمثابة “رخصة قيادة” للحياة الزوجية.

*4. التشارك في المسؤولية منذ اليوم الأول:*
أحد أسباب الاحتقان الأسري هو شعور أحد الطرفين بالتحميل الزائد.
لذلك أقترح الاتفاق المسبق على التشارك المتكامل في المسؤولية الحياتية؛ و لو بنسبة 60-40%؛ بدءاً من تكاليف الزفاف و توابعه؛ مروراً بإدارة المنزل؛ و انتهاءً بتربية الأبناء. و
الوضوح هنا يمنع الشعور بالظلم لاحقاً.

*5. حماية الزواج من الانفلات الأحادي:*
الطلاق الأحادي دون مراجعته يسهم في هدم الأسر بسرعة؛ لذا أقترح تضمين عقد النكاح بنداً أخلاقياً يلزم الطرفين بالتشاور في العصمة؛ فلا ينفذ أي طلاق إلا بعد مسار توثيقي للتفاهم و التحكيم.
هذا لا يلغي الحق في الطلاق؛ لكنه يجعل القرار حلاً أخيراً و متانياً.. لا انفعالياً.

*6. تأخير الإنجاب و بناء الألفة أولاً:*
السنة الأولى من الزواج هي سنة التعارف العميق؛ لا التعارف السطحي؛ والتعجل في الإنجاب يشتت الجهد و يحوّل الزوجين إلى “شركاء رعاية” بدل أن يصبحا شريكي حياة.
و الأفضل تأخير الإنجاب لمدة سنة تُصرف في توطيد الألفة الحميمية و تقاسم المسؤولية المنزلية بين الزوجين حصراً؛ بعيداً عن تدخل و تداخل الأطراف الأخرى، مثل العاملة المنزلية كالقيام بدور ‘الام البديلة!

*7. حماية الأم و الطفل في المرحلة الأولى:*
بعد بدء الحمل الأول؛ تحتاج الأم إلى التفرغ لحملها و بيتها؛ أو على الأقل من الشهر السادس
و بعد الولادة، يحسن أن تمتد هذه الحماية حتى تمام حولين كاملين، و هي مدة الرضاعة؛ و لو لم تقم بالإرضاع مباشرة.

كما و يُؤجّل الحمل الثاني حتى يبلغ الطفل الأول سن دخول الروضة؛ ثم يُكتفى بصفة جادة بالطفل الثاني.

*الخاتمة: أسرة بأربعة أركان*
إذا التزمنا بهذه الخطوات نمضي ببُنية الحياة الزوجية بأركانها الأربعة: الأبَوان و الطفلان.
أسرة صغيرة متماسكة تملك وقتاً للحوار؛ و موارد كافية للرعاية؛ و نضجاً كافياً لاحتواء الخلاف.
أسرة لا انفصام لها؛ لأنها بُنيت على الوعي قبل العاطفة؛ و على المشاركة قبل التملك؛ و على التأهيل قبل التجارب العشوائية.

و الهدف ليس تقييد الناس؛ بل حمايتهم من الندم؛ فالزواج عقد عِشرة و عمر؛ و من حق كل شاب و فتاة أن يدخلاه بخطوات وطيدة و ببصيرة لا تعجُّل فيها و بعقدة زواج لا انفصام لها!

عميد سابق بجامعة البترول

وكاتب رأي 

 

الدكتور إبراهيم عباس نـَتـّو

عميد سابق بجامعة البترول وأديب وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.