كُتاب الرأي

الدَّكارنة:من دَكرور/دَكار إلى المدينة و مكة

الدَّكارنة:من دَكرور/دَكار إلى المدينة و مكة

قراءة في التسمية و الدور الاجتماعي

بقلم: د.إبراهيم.عباس.نَتّو 
عميدسابق.بجامعةالبترول🇸🇦

*1. من هم الدَّكارنة؟*
‘التكارنة’: لفظ شاع في الحجاز للإشارة إلى المهاجرين من غرب أفريقيا، خصوصاً من مجموعات الفولاني و الفلاتة و (الهوسا). و الكلمة قديمة، و ارتبطت بهذه القبائل منذ تكرارها أداء الحج و العمرة و استيطانها في مكة المكرَّمة و المدينة المُنوَّرة.

الاسم يعود تاريخياً إلى بلاد *دَكرور،* و هي المنطقة التي ذكرها الجغرافيون العرب كالبَكري و الإدريسي و ابن بطوطة. (دكرور) كانت تشمل أجزاءَ واسعةً من غرب أفريقيا، و غطت ما يعرف اليوم بالسِّنيگال (السِّنيغال) و مالي و گينيا (غينيا) و گامبيا (غامبيا)؛ و قامت فيها مملكة الدَّكرور التي دامت لأكثر من ألف عام.

*2. مسار الهجرة إلى الحجاز:*
الهجرة لم تكن وليدة القرن العشرين. سلك الحجاج الغرب أفارقة طريقاً تقليدياً عبر مصر و السودان، ثم إلى ينبع و المدينة المنورة و مكةالمكرمة.

مع سقوط مملكة الدَّكرور أمام الاستعمار الفرنسي و البريطاني في القرن 19، حدثت موجة هجرة جديدة؛ و أرضُ الحرمين كانت من الأماكن القليلة التي لم يدخلها الاستعمار، فصارت ملجأً للمسلمين الذين تعرضوا للقمع في بلدانهم.

وصلت هذه الموجة ذروتها بين 1860 و 1925م، في عهد الحكم العثماني الضعيف للحجاز. و استقر كثير منهم في المدينة المنورة و مكة المكرمة و جدة؛ و عُرِفت أحياؤهم و أربطتُهم و أوقافُهم في الوثائق و السجلات.

*3. لفظة “تَكارنة” في الحجاز و تأثير النطق المصري:*
من “دَكرور” جاءت صيغة الجمع “دَكارنة” في الاستعمال المصري، و ذلك مع مرور القوافل الأفريقية بمصر و طول المُكث فيها؛ ثم انتقلت الصيغة إلى الحجاز و خُفّفت إلى *”تَكارنة”* المتداولة اليوم.

هذا التفسير ينسجم مع التسمية التي ارتبطت أيضاً بمدينة *(دَكار)* عاصمة السِّنيگال (السِّنيغال)، كأحد المراكز الكبرى لانطلاق حجاج غرب أفريقيا.

*4. أحياء و أربطة التكارنة في المدينة المنورة:*
استقر التكارنة في المدينة المنورة منذ القرن 19 بشكل ملحوظ (مع توسّعِ الهجمات الاستعمارية على غرب افريقيا)؛ و كوّنوا أحياء سكنية و أربطة خيرية قريبة من المسجد النبوي لخدمة حجاج غرب أفريقيا.

أشهر هذه الأربطة كان رباط التكارنة الواقع في منطقة “المناخة”، جنوب المسجد النبوي، و كان يضم سكناً مجانياً، و مكتبة، و زاوية للتدريس.
كما عُرفت حارة الأغوات و حارة المناخة بتواجد عوائل الفلاتة و التكارنة فيها؛ و عمل كثير منهم في خدمة الحرم النبوي كمؤذنين و فراشين.
هذه الأربطة لم تكن مجرد سكن، بل كانت مراكزاً اجتماعية و ثقافية حافظت على اللغة الفُولانية و الهَوسا؛ و أسهمت في تعليم أبناء الجالية القرآن و الفقه على المذهب المالكي.

و تشير وثائق المحاكم الشرعية في المدينة و سجلات الأوقاف العثمانية إلى أوقاف مسجلة باسم “أوقاف التكارنة” و “رُباط الفلاتة” حتى أوائل القرن 20.

بعد توسعات الحرم النبوي و إخلاء بعض الأحياء القديمة خلال الحرب العالمية الأولى و الثانية، انتقل كثير منهم إلى أحياء جديدة داخل المدينة المنورة؛ و بعضهم غادر مؤقتاً إلى الشام و تركيا ثم عاد بعد انتهاء الحرب.

*5. الدور الاجتماعي و الديني:*
استقر التكارنة في الحجاز لأسباب دينية و تجارية و اجتماعية. عمل كثير منهم كدَلّالين/مُطوفين لحجاج غرب أفريقيا؛ و درسوا و درَّسوا في حلقات المسجد النبوي و المسجد الحرام؛ و اشتغلوا في التجارة الموسمية. و تميز أكثر من حارة من حارات مكة المكرمة بسكنى و اسهام في حارة المسفلة و بصفة أوسع في حي الطُندُباوي و غرب شارع منصور؛

و المدينة المنورة كانت حاضنة كبرى، فتركزت فيها عوائل بلقب “فلاتة”؛ و أنشئت الأربطة و الأوقاف التي تخدم القادمين من غرب أفريقيا.
هذا الاستقرار أثرى النسيج الحجازي بمزيجٍ لغويٍ و ثقافيٍ بين العربي و الأفريقي، ظهر في اللهجة، و المأكل، و العمارة القديمة، و الفن الشعبي، و خاصة الفن الاستعراضي، *المزمار!*

*6. شخصيات تركت أثراً بارزاً:*
من أبناء هذا النسيج برزت أسماء في علوم الدين و التعليم و الفن و الإعلام:-
* *معالي د.أحمد محمد علي المدني:* أول رئيس لجامعة الملك عبدالعزيز (كان اسمها: (‘الجامعة الأهلية بجدة’)؛ و كان في القرن 20 وكيل وزارة المعارف للشؤون الثقافية بعد الاستاذ حامد دمنهوري؛ ثم رئيساً للبنك الإسلامي للتنمية.. لعقود؛
* *الأستاذ طاهر عبدالرحمان زَمخشَري:* الشاعر الكبير و الإذاعي المعروف، و رئيس تحرير اول مجلة للأطفال عندنا (الروضة)؛ و صاحب البرنامج الإذاعي؛ “بابا طاهر”؛ و صاحب كلمات القصيدة المشهورة المُغنّاة: “أهيمُ بروحي على الرابية..”؛
– *الشيخ محمد عمر فلاتة:* امين عام الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة؛ عالم و داعية، إمام و خطيب مسجد قُباء سابقاً؛ و كبير لجنة مراجعة و تدقيق مصحف المدينة المنورة؛
– *الاستاذ سعيد آدم،* من كبار موظفي وزارة التخطيط؛
* *د.عبدالمحسن عبدالله فلاّتة:* أكاديمي بجامعة طيبة، له مؤلفات في التاريخ و السيرة؛
– *الشيخ حسن فَلاتة:* من أئمة مساجد المدينة المنورة!
– *”طارق الأفريقي”*: ساهم في بناء الجيش السعودي ايام الملك عبدالعزيز (كان والده من ليبيا، و والدته من الدكرور)؛
– *عمر كَدَرْس:* “عمر نوح فَلاّتة”: مطرب حجازي شهير، عاصر طارق عبدالحكيم و طلال مداح و محمد عبده, و شارك جميل محمود في بداياتهما.
– *بكر يونس* و بناته الاربعة: من روّاد الإذاعة و التلفزيون السعودي؛
– بكر عبدالرحمان زمخشري، قام بدور محامي بين جدة و مكة المكرمة (في الماضي كان من يقوم بدور (المحامي) يسمَّى “دَعوَجي”.)
– *د.حسين نجار،* الإعلامي التلڤازي الشهير؛
– الأستاذ *عبدالله محمد أبكَر:* خدم مكةالمكرمة بتأليف و نشر عدة مؤلفات
– الاستاذ *محمد توفيق بلّو،* كاتب مدوّن و مؤلف منشور و صاحب دار نشر (سطور)؛ و (كبير-طهاة) سابق بالخطوط الجوية العربية السعودية؛

و مع الزمن صار لقب ‘فلاتة’ هو الأكثر استخداماً داخل المجتمع، لأنه أكثر وضوحاً في الدلالة و أقل إثارة للحساسية من لفظ “تكروني”.

*7. خاتمة:*
الحجاز لم يُبنَ بعرق واحد و لا بلسان واحد. هو ملتقى طرق الحج و التجارة و العلم منذ قرون. و التكارنة جزء أصيل من هذه القصة، حملوا معهم إرث (دَكرور)، و أسهموا في بناء الحياة الدينية و الاجتماعية في المدينتين المقدستين المدينة المنورة و مكة المكرمة.

توثيق هذا الدور اليوم
ليس مجرد رد اعتبار، بل هو حفظ لذاكرة المكان، و تذكير بأن قوة الحجاز كانت دائماً في انفتاحه و احتضانه.

*مراجع:*
1. مُدوَّنة “أوراق الورد”: مقال “التكارنة: الأصل و سبب التسمية”، يستند إلى الموسوعة الإسلامية، البكري ص 27، و كتاب “الخرطوم الشعب و الدعاة” للدكتور عبدالله عبد الماجد إبراهيم، ص 540.
2. كتب: الرَّحالة ابن بطوطة؛ الإدريسي؛ البكري– في ذكر “بلاد دَكرور”.
3. سجلات الأوقاف العثمانية و المحاكم الشرعية بالمدينة المنورة، مذكورة في مقال “التكارنة: أصل و سبب التسمية”.

كاتب رأي

 

 

الدكتور إبراهيم عباس نـَتـّو

عميد سابق بجامعة البترول وأديب وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.