كُتاب الرأي

*حرب أخرى؟*

*حرب أخرى؟*

*رؤية تحليلية .*

*تفرض الحرب الأمريكية ـ الإيرانية سؤالا غير مألوف في عالم الصراعات: هل ما زالت هناك ( أهدافا تستحق حربا أخرى )؟*

*فمعظم الحروب تبدأ عندما تعتقد الأطراف المتصارعة أن القوة قادرة على تغيير الواقع. أما المراحل المتقدمة من الحروب فتطرح سؤالا مختلفا؛ ماذا بقي للقوة أن تضيف بعد كل ما حدث؟*

*وتكشف التطورات الراهنة أن الأزمة تجاوزت مرحلة ( اختبار القدرات العسكرية ) إلى مرحلة ( اختبار الجدوى الإستراتيجية ). فالمسألة لم تعد مرتبطة بما تستطيع الأطراف فعله، بل بما يمكن أن تكسبه إذا فعلته. وهنا يكمن الفرق بين القدرة على مواصلة الحرب، والقدرة على تبرير إستمرارها.*

*وتمثل هذه المرحلة إحدى أكثر مراحل الصراع تعقيدا. فالمكاسب التي تحققت خلال الأشهر الماضية أصبحت جزءا من الواقع السياسي والعسكري الجديد، بينما تبدو المكاسب المحتملة من أي تصعيد إضافي أقل وضوحا وأكثر كلفة. ولذلك تبدأ حسابات المحافظة على ما تحقق بمزاحمة حسابات التوسع والاندفاع.*

*وتزداد أهمية هذا السؤال مع تصاعد النقاشات داخل الولايات المتحدة حول حدود إستمرار العمليات العسكرية، ومع إستمرار الضغوط الاقتصادية والأمنية التي تواجهها إيران. فكلما أرتفعت كلفة المواجهة على الطرفين، تراجعت أهمية القدرة على القتال أمام أهمية ( تبرير القتال ).*

*وتواجه جميع الأطراف معضلة مألوفة في التاريخ الإستراتيجي. فكل خطوة إلى الأمام تحمل فرصا جديدة، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطر جديدة. وكل تصعيد إضافي قد يفتح أبوابا يصعب التحكم في اتجاهاتها أو حدودها أو نتائجها النهائية.*

*ولا يعني ذلك أن أسباب التوتر قد إختفت أو أن الخلافات الجوهرية اقتربت من الحل. فالملفات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، وأمن الممرات البحرية، والعقوبات، وتوازنات الردع الإقليمي والأذرع الإرهابية والإجرامية المنظمة الموالية للنظام الإيراني ، ما زالت ( قائمة ). غير أن إستمرار الخلافات لا يقود بالضرورة إلى حرب جديدة، كما أن امتلاك أدوات القوة لا يعني دائما وجود مبرر كاف لإستخدامها.*

*ولهذا تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى مراجعة هادئة لحسابات ( الكلفة والعائد ) منها إلى إستعداد لفتح جبهة أوسع. فالجميع يعرف حجم الأثمان التي دفعتها المنطقة، والجميع يدرك أن أي مواجهة جديدة ستبدأ من مستوى أعلى من المخاطر وأوسع من التداعيات.*

*وتؤكد دروس التاريخ أن أخطر لحظات الصراعات ليست تلك التي تتبادل فيها الأطراف القصف أو الضربات، بل تلك التي تعجز فيها عن تحديد ما الذي يمكن أن تضيفه ضربة أو قصف جديد إلى ما تحقق بالفعل. ومن يملك سببا يعيش من أجله، يستطيع أن يتحمل أي كيف.*

*وقد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم من يملك القدرة على إشعال الحرب التالية، بل ما إذا كانت هناك ( مكاسب إستراتيجية جديدة ) تستحق أصلا إشعالها.*

كتبه :
اللواء البحري الركن م .
عبدالله بن سعيد الغامدي

*الجمعة الموافق ( 5 ) يونيو 2026 م .*

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.