*إتساع دائرة الحرب .*

*إتساع دائرة الحرب .*
*رؤية تحليلية .*
حملت الصواريخ والمسيرات التي وصلت إلى دولة الكويت ومملكة البحرين الشقيقتين رسالة تتجاوز أهدافها المباشرة. فالأضرار التي وقعت اليوم ليست الحدث الأهم، بل المكان الذي وصلت إليه هذه الهجمات الإرهابية الآثمة.
ولا يمكن توصيف ما جرى على أنه خطأ عملياتي أو أثر جانبي للحرب. فاستهداف دولتين خليجيتين ذاتي سيادة لم تكونا طرفا مباشرا أو غير مباشر في القتال، واستهداف منشآت مدنية ومرافق غير قتالية، يعكس قرارا سياسيا وعسكريا متعمدا بنقل تداعيات الأزمة إلى محيطها الإقليمي الأوسع.
طوال الأشهر الماضية دارت المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية حول وحدات عسكرية ومنشآت إستراتيجية وأهداف مرتبطة مباشرة بالحرب. أما اليوم فقد اقتربت النيران من دول خليجية ( محايدة ) سعت إلى إبقاء المنطقة بعيدة عن التصعيد، الأمر الذي يمنح التطورات الأخيرة دلالة مختلفة تتجاوز نتائج الضربات نفسها.
إختيار الكويت والبحرين ليس تفصيلا عابرا. ولهذا لم تكن الرسالة موجهة إلى العاصمتين فقط، بل إلى شبكة المصالح الدولية النفطية والمالية والإستراتيجية المرتبطة بهما، وإلى أمن الخليج العربي بأكمله بوصفه أحد أهم مراكز الطاقة والتجارة والملاحة في العالم.
ويمثل هذا الاعتداء الغاشم الجبان إنتهاكا صارخا لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي التي تحظر إستخدام القوة أو التهديد بها ضد الدول ذات السيادة. كما أن إستهداف المطارات والمنشآت المدنية يحمّل النظام الإيراني المسؤولية القانونية الدولية الكاملة عن جميع النتائج البشرية والمادية والاقتصادية المترتبة على هذه الأعمال الإرهابية العدائية.
عسكريا، لا تشير طبيعة الأهداف إلى محاولة تحقيق مكاسب ميدانية حاسمة بقدر ما تشير إلى محاولة توسيع نطاق الضغط السياسي والنفسي للحرب. فالمطارات المدنية ومنشآت الخدمات العامة لا تغير موازين القوى العسكرية، لكنها تستهدف الإستقرار والثقة وحركة الاقتصاد والمجتمع.
غير أن هذه الهجمات قد تقود إلى نتائج معاكسة تماما لما أراده مخططوها. فاستهداف الكويت والبحرين يعزز مبررات التنسيق الدفاعي الخليجي، ويرفع مستويات التعاون في مجالات الإنذار المبكر والدفاع الجوي والأمن البحري وحماية البنية التحتية الحيوية. كما يمنح المجتمع الدولي أسبابا إضافية للتشدد في مواجهة السلوك الإيراني المهدد للاستقرار الإقليمي.
اقتصاديا ودبلوماسيا، تجاوزت تداعيات الهجمات حدود الدول المستهدفة. فكل تهديد للمطارات والموانئ والممرات البحرية في الخليج العربي ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة والتأمين والنقل والاستثمار، ويضيف أعباء جديدة على الاقتصاد العالمي الذي يتابع تطورات المنطقة بدقة بالغة.
الحدث الأبرز اليوم ليس عدد الصواريخ أو المسيرات، بل انتقال الحرب خطوة إضافية خارج ساحتها الأصلية. فالنظام الإيراني لم يسع إلى تغيير موازين القوى العسكرية بقدر ما سعى إلى توسيع المجال الجغرافي للأزمة وإيصال رسائل ضغط تتجاوز ساحة القتال المباشرة. وهذه المقاربة تمثل أحد أخطر أشكال التصعيد لأنها تستهدف الاستقرار الإقليمي نفسه لا الخصوم العسكريين فحسب.
الخاتمة أن أخطر ما في هذه الهجمات لا يكمن في عدد الصواريخ التي أطلقت، بل في القرار الذي أطلقها. فاستهداف دول آمنة ومنشآت مدنية لا يغير موازين الحروب، لكنه يكشف استعداد النظام الإيراني لتوسيع نطاق الأزمة خارج ساحتها الأصلية. وكما قال أرسطو 🙁 البدايات الصغيرة قد تقود إلى نتائج عظيمة ) . وما بدأ اليوم بصواريخ ومسيرات قد يفتح أبوابا أوسع للأزمة إذا لم يوضع له حد واضح وحازم .
كتبه :
اللواء البحري الركن المتقاعد / م .
عبدالله بن سعيد الغامدي
الأربعاء( 3 ) يونيو 2026 .

