كُتاب الرأي

*الخليج العربي يفرض معادلته .*

*الخليج العربي يفرض معادلته .*

*قراءة إستراتيجية .*

*وضعت الهجمات التي طالت دولة الكويت ومملكة البحرين الشقيقتين الأمن الخليجي أمام اختبار يتجاوز حدود الحادثة العسكرية المباشرة، ويفتح بابا واسعا للتفكير في شكل التوازنات التي قد تفرزها هذه الحرب. فالمسألة تتجاوز صاروخا أو مسيرة أو حادثا أمنيا محدودا، لتلامس معادلة الإستقرار التي نجحت دول الخليج في بنائها وترسيخها عبر عقود من العمل السياسي والاقتصادي والأمني المتواصل.*

*فالحروب قد تبدأ بصاروخ، لكنها تعيد رسم خرائط الأمن والنفوذ لعقود طويلة.*

*وتفترض بعض الأطراف أن توسيع دائرة الاستهداف سيدفع الخليج تدريجيا إلى الانخراط المباشر في الحرب، وأن الضغوط العسكرية ستقود إلى إرباك الحسابات السياسية والاقتصادية لدول المنطقة. غير أن هذه الفرضية تتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي تمتلك اليوم من عناصر القوة والتماسك والخبرة ما يجعلها قادرة على إفشال أهداف التصعيد دون أن تصبح جزءا من معادلته.*

*ولا تقتصر الأهداف الحقيقية لهذه الهجمات على الأضرار المباشرة وحدها. فالأثر الاستراتيجي المنشود يتجاوز الخسائر المادية إلى محاولة التأثير في صورة الخليج بوصفه إحدى أكثر مناطق العالم استقرارا وقدرة على جذب الاستثمار وحماية الطاقة وتأمين حركة التجارة الدولية. ومن هنا يتحول استمرار النشاط الاقتصادي، واستمرار الموانئ في أداء وظائفها، والمحافظة على ثقة الأسواق والشركاء الدوليين، إلى جزء أصيل من منظومة الردع الشامل.*

*ويبدأ الرد الخليجي الحقيقي من ترسيخ مبدأ أثبتت الأحداث أهميته المتزايدة، وهو أن أمن دول المجلس وحدة واحدة لا تتجزأ. فالتحديات العابرة للحدود أكدت أن أي استهداف لإحدى دول الخليج لا يمكن عزله عن أمن بقية الدول الأعضاء، وأن قوة المنظومة الخليجية تنبع من قدرتها على العمل المشترك وتوحيد المواقف وتكامل القدرات وتنسيق الاستجابات.*

*ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الخليج وحده. فاستقرار المنطقة يرتبط بصورة مباشرة بأمن الطاقة العالمي، وسلامة سلاسل الإمداد الدولية، وحرية الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز. ولذلك فإن أي محاولة لزعزعة أمن الخليج تتجاوز حدودها الجغرافية لتلامس مصالح اقتصادية واستراتيجية تمتد عبر قارات العالم، وهو ما يمنح دول المجلس وزنا متزايدا في أي ترتيبات أمنية أو سياسية مقبلة.*

*كما تمتلك دول الخليج أدوات تأثير تتجاوز المجال العسكري التقليدي. فالثقل الاقتصادي، والموقع الجغرافي، والعلاقات الدولية الراسخة، والقدرة على التأثير في أسواق الطاقة العالمية، تمنحها مساحة واسعة لتحويل أي اعتداء إلى عبء سياسي وقانوني واستراتيجي على مرتكبيه. وكثيرا ما أثبت التاريخ أن الدول التي تحسن توظيف عناصر قوتها الشاملة تحقق نتائج أكثر استدامة من تلك التي تعتمد على ردود الأفعال الآنية.*

*وتكشف التطورات الراهنة أن البيئة الأمنية الجديدة لم تعد تسمح بالتعامل مع التهديدات بوصفها أحداثا منفصلة. فالصاروخ والمسيرة والهجوم السيبراني ومحاولات تعطيل الملاحة واستهداف البنية التحتية أصبحت مكونات لمشهد عملياتي واحد تتداخل فيه الأدوات العسكرية والاقتصادية والتقنية والإعلامية. ولهذا لم يعد التكامل الدفاعي والأمني الخليجي خيارا إضافيا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة.*

*ولا يتعلق الأمر بإدارة أزمة عابرة بقدر ما يتعلق بإعادة صياغة البيئة الأمنية الخليجية للسنوات المقبلة. فكل أزمة كبرى تترك وراءها دروسا جديدة، وكل تحد يفتح الباب أمام بناء قدرات أكثر تطورا. ومن هنا يمتلك الخليج فرصة لتحويل الضغوط الراهنة إلى نقطة انطلاق نحو مستوى أعلى من الجاهزية والتكامل والردع.*

*وتبقى الحقيقة الأهم أن الخليج لا يحتاج إلى إثبات قدرته على الرد العسكري، فهذه القدرة قائمة ومعلومة. أما الاختبار الحقيقي فيكمن في المحافظة على الاستقرار، وحماية المصالح الوطنية، وصون المكتسبات التنموية، ومنع الخصوم من فرض المسار الذي يريدونه على المنطقة.*

*وقد يكون أخطر ما يواجهه المعتدي أنه نجح في إطلاق الصاروخ، لكنه فشل في تغيير المعادلة، وفشل في كسر التماسك الذي قامت عليه المنظومة الخليجية طوال عقود.*

*أما الدول الراسخة فتضيف إلى ذلك حقيقة أخرى:*

*أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تكسب الحرب، بل تلك التي تمنع الحرب من تغيير هويتها ومسارها ومستقبلها.*

*وهنا تكمن قوة الخليج الحقيقية؛ ليس في البحث عن الحرب، بل في امتلاك القدرة على منعها من تحقيق أهدافها، وتحويل الاستقرار نفسه إلى أحد أقوى أدوات الردع.*

*أعلى درجات النصر أن تخضع خصمك دون قتال.*

كتبه:
اللواء البحري الركن / المتقاعد /
عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق في جمهورية باكستان الإسلامية

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.