*ثمن الانتظار*

*ثمن الانتظار*
*تحليل استراتيجي تقديري .*
*تجاوزت الحرب الأمريكية ـ الإيرانية الراهنة مرحلة البحث عن الحسم، ودخلت مرحلة التنافس على تحمل ( كلفة الوقت ). فبعد أشهر من العمليات العسكرية والضغوط السياسية والاقتصادية المتبادلة، لم يعد السؤال المطروح: من يملك القوة الأكبر؟ بل أصبح: من يستطيع الاستمرار مدة أطول دون أن تتجاوز كلفة الصراع قدرته على الاحتمال؟ .*
تكشف تطورات الأسابيع الأخيرة أن الصراع تجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، واتجه تدريجياً إلى منافسة مركبة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية. فالعمليات العسكرية ما زالت حاضرة، والرسائل المتبادلة لم تتوقف، والوسطاء يواصلون تحركاتهم، لكن أياً من الأطراف لم ينجح حتى الآن في فرض ( نهاية حاسمة ) للصراع أو الوصول إلى تسوية نهائية مقبولة للجميع.
ومع امتداد أمد الأزمة، أصبحت ( الممرات البحرية ) هي الجهة التي تدفع الجزء الأكبر من ( ثمن الانتظار ). فالتوتر المستمر حول ( مضيق هرمز )، وما يرافقه من حديث متكرر عن ( باب المندب ) وأمن الملاحة الدولية، أبقى الأسواق العالمية في حالة ترقب دائم. ولم تعد تداعيات الأزمة تقتصر على ( أسواق الطاقة ) وحدها، بل امتدت إلى النقل البحري والتأمين وسلاسل الإمداد والاستثمار الدولي، لتتحول تدريجياً من أزمة إقليمية إلى مصدر قلق اقتصادي عالمي مستمر.
ولم تعد ( كلفة الحرب ) تقاس بعدد الضربات المتبادلة فقط، بل بقدرة الأطراف على الاستمرار سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. فالحروب الطويلة لا تختبر قوة الجيوش وحدها، بل تختبر قدرة الدول على تحمل أعباء الصراع والمحافظة على تماسك قراراتها وتحالفاتها ومصالحها الاقتصادية في الوقت نفسه.
وتشير القراءات الصادرة عن مراكز الدراسات والبحوث الاستراتيجية الدولية إلى أن ميزان الصراع ما زال يتسم بدرجة عالية من التوازن النسبي. فالولايات المتحدة تحتفظ بتفوق عسكري وتقني واسع، بينما ما زالت إيران تمتلك أدوات تمكنها من إطالة أمد الأزمة ورفع كلفتها السياسية والاقتصادية والأمنية. ولذلك لم يعد جوهر التنافس يدور حول القدرة على القتال، بل حول ( الصمود ) وتحمل تبعات الاستمرار.
وتكمن المفارقة في أن كلاً من الطرفين ما زال يرى أن ( عامل الوقت ) يعمل لصالحه. فواشنطن تراهن على تراكم الضغوط وإضعاف هامش المناورة لدى طهران، بينما تراهن طهران على ( الصبر الإستراتيجي ) واستنزاف الإرادة السياسية لدى خصومها. وبين هذين الرهانين يستمر الاقتصاد العالمي في تحمل جانب من كلفة الأزمة، فيما تتزايد أهمية أي جهد دولي يهدف إلى منع انتقال التوتر من مستوى الاحتواء إلى مستوى التصعيد الواسع.
*ولهذا لا يبدو أن المشهد يتجه نحو انتصار كامل لطرف أو هزيمة كاملة لطرف آخر. فالحروب الممتدة كثيراً ما تصل إلى مرحلة تصبح فيها ( إدارة المخاطر ) أكثر واقعية من البحث عن الحسم المطلق، ويصبح الحفاظ على المكاسب أكثر أهمية من توسيعها.*
*حين يطول الانتظار يظن الجميع أن الزمن حليفهم، بينما الحقيقة أن الزمن لا يكافئ الأقوى دائماً، بل يكافئ من يدرك حدود القوة وحدود الصبر معاً. فكل أزمة لا تنتهي عندما ينفد السلاح، وإنما عندما يدرك المتنافسون أن ( كلفة الاستمرار ) تجاوزت العائد المتوقع منه، وأن ( كلفة التفاهم ) أصبحت أقل من كلفة الصراع نفسه.*
كتبه :
اللواء البحري الركن المتقاعد /
عبدالله بن سعيد الغامدي
*الثلاثاء ( 2 ) يونيو 2026*

