كُتاب الرأي

*ركزوا …*

*ركزوا …*

*رؤية تحليلية عسكرية .*

*سعت ( 2100 ) الثلاثاء الموافق ( 6 ) أكتوبر ( 2026 )م .*

*كتبه؛* *اللواء البحري الركن المتقاعد /* *عبدالله بن سعيد الغامدي* *دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .*

*( القوة الموزعة بالتساوي على جبهات كثيرة قد تكون كبيرة في مجموعها ؛ لكنها قد تصبح ضعيفة عند نقطة الحسم . )*

*ركزوا …*

*هذه ليست كلمة عابرة مقترحة للأشقاء في القوات المسلحة اليمنية في مرحلة*
*-بالنسبة لهم – *تتسع فيها جبهات القتال في اليمن ؛ بل هي من صميم مبادئ الحرب كما لا تخفى عليهم .*

فالتركيز العسكري لا يعني جمع أكبر عدد من القوات في مكان واحد ، ولا إهمال بقية الجبهات ؛ وإنما يعني *تركيز آثار القوة القتالية في المكان والزمان الحاسمين لتحقيق الغاية العملياتية* ، مع اقتصاد القوة في الجهود الثانوية ، والاحتفاظ باحتياط قادر على مواجهة المفاجأة واستثمار النجاح .

ومن هنا فإن السؤال ليس : أين تدور المعارك ؟

*فالمعارك كثيرة .*

السؤال الأهم هو : *أين ينبغي أن يكون الجهد الرئيسي ؟*

المشهد الميداني يكشف مفارقة تستحق الانتباه . هناك مكاسب بطولية حققتها القوات اليمنية على الساحل الغربي وباب المندب ، وعمليات متواصلة في الوازعية وحيفان وجبل حبشي والأقروض ، بالتزامن مع استهداف قدرات عسكرية حوثية في الحديدة وصنعاء وصعدة ؛ لكن في المقابل تعرضت تعز ومنافذها الجنوبية لضغط حوثي إرهابي ، وتشير التقارير الميدانية إلى دخول عناصر حوثية إلى التربة ، بما يجعل *تعز والحجرية* موضع اهتمام عملياتي بالغ في هذه المرحلة .

وهنا ينبغي الحذر من خطأ عسكري معروف :

*أن يقود النجاح في محور إلى إغفال الخطر في محور آخر .*

فالحجرية اليوم ليست هامشا في معركة تعز ؛ بل *عمق عملياتي شديد الحساسية* ، وأي تغير مستقر في ميزان السيطرة فيها يمكن أن ينعكس على طرق الحركة والتموين والإمداد وعلى ترابط محاور تعز والساحل والجنوب .

والتربة ليست مجرد مدينة تضاف إلى قائمة المواقع المتنازع عليها . فنحن أمام نطاق جغرافي ترتبط طرقه ومحاوره ومرتفعاته بتعز والجنوب والساحل ، ولذلك فإن قيمته العسكرية لا تقاس بعدد الكيلومترات ؛ بل بما يمنحه من قدرة على الحركة والإمداد والمناورة والتأثير في المحاور المجاورة .

ومن هنا أقول :

*ركزوا على تعز والحجرية .*

لكن *لا تركزوا القوات فقط ؛ ركزوا آثار القوة .*

ركزوا القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات والاستطلاع والإنذار المبكر والإسناد والحماية واللوجستيات وأمن العمليات ، واجعلوا هذه العناصر تعمل في منظومة واحدة تخدم الجهد الرئيسي .

والتركيز لا يكتمل دون *اقتصاد القوة* . فليس مطلوبا أن تكون القوة متساوية في كل مكان ؛ بل أن يخصص لكل محور ما يكفي لتحقيق غايته ، بينما توجه القدرة الأكبر نحو الموضع الذي يمكن أن يغير نتيجة العمليات . فمحاولة أن تكون قويا بالدرجة نفسها في كل مكان قد تنتهي بأن تكون أقل قوة مما ينبغي عند نقطة القرار .

وهنا يبرز *تحديد مركز الثقل* .

ففهم مصدر القوة أو القدرة الحاسمة لدى الخصم يساعد القيادة على تحديد ما ينبغي التأثير فيه لتحقيق الغاية العملياتية ، ومن ثم اختيار الجهد الرئيسي ونقطة القرار الملائمة . ومن دون ذلك قد تتوزع القوة على أهداف كثيرة ، وتتحقق نجاحات موضعية ، من دون أن تنتج عنها نتيجة عملياتية حاسمة .

لكن *الجهد الرئيسي ليس قرارا جامدا .*

فإذا تغير الموقف ، أو ظهر خطر أكبر ، أو نشأت فرصة عملياتية أهم ، وجب إعادة ترتيب الأولويات والموارد والإسناد بما يتناسب مع الموقف الجديد . فالتركيز الحقيقي ليس التمسك بمحور لمجرد أنه كان مهما بالأمس ؛ بل معرفة أين انتقلت *نقطة القرار اليوم* .

وفي تضاريس تعز والحجرية تبرز *الأرض الحاكمة* ؛ فقد تكون مرتفعات أو عقد طرق أو ممرات محددة أكثر قيمة من مساحات واسعة من الأرض . ولذلك لا ينبغي أن تكون أرقام المساحات المستعادة معيار النجاح الوحيد ؛ فالأهم القدرة على المحافظة على حرية الحركة واستمرار الإمداد وتأمين ما تحقق .

ويظل *الاحتياط إحدى أهم أدوات القيادة* للمحافظة على حرية العمل ومواجهة المفاجأة وتعزيز الجهد الرئيسي واستثمار النجاح . واستنزافه في جهود ثانوية قد يحرم القيادة منه عند لحظة القرار .

أما *وحدة القيادة والجهد والهدف* فهي ضرورة لا تقل أهمية عن القوة نفسها . فتعدد الجبهات والتشكيلات لا ينبغي أن يعني تعدد الأولويات . فالساحل وتعز والحجرية ليست جزرا عملياتية منفصلة ؛ وما يحدث في أحدها يؤثر في الآخر ، وكل نجاح موضعي ينبغي أن يخدم غاية عملياتية أكبر .

وهنا تظهر أهمية *استثمار النجاح* .

فالنجاح في باب المندب والساحل ينبغي المحافظة عليه وتأمينه والبناء عليه ، دون أن يتحول اتساع العمليات إلى اندفاع في كل اتجاه . فتثبيت المكتسب وتأمين خطوط الإمداد والتمرين والمحافظة على تماسك الجهد جزء من استثمار النجاح نفسه .

وفي المقابل ، فإن دخول الخصم إلى موضع جديد لا يعني إحكام السيطرة عليه . فهناك فرق بين *الاختراق والتمركز* ، وبين *الدخول والاحتفاظ بالأرض* . ومنع تحول المكسب الموضعي إلى واقع عملياتي مستقر جزء أساسي من معركة المبادأة .

ولا ينبغي إغفال *المعركة المعلوماتية* . فمع اتساع العمليات تنشط الإشاعات والمعلومات المضللة والمقاطع المجتزأة أو المزيفة والدعاية السوداء والرمادية . ولذلك يصبح أمن العمليات والمعلومات والاتصالات والانضباط في التصوير والنشر جزءا من حماية الجهد العسكري نفسه .

*ركزوا …*

فليس الخطر أن تتعدد الجبهات ؛ بل *أن تتعدد معها الأولويات حتى يضيع الجهد الرئيسي .*

*حافظوا على ما تحقق في الساحل ، وأعطوا تعز والحجرية ما تستحقانه من تركيز بحسب تطور الموقف ، وثبتوا الأرض الحاكمة ، واحموا خطوط الإمداد ، واحتفظوا بالاحتياط ، ووحدوا القيادة والجهد .*

فالمبادأة لا تحفظ بكثرة الجبهات المفتوحة ؛ وإنما بحسن تحديد *نقطة القرار* ، ثم تركيز آثار القوة عندها في الوقت المناسب .

*( ليست الحكمة أن تكون قويا في كل مكان ؛ بل أن تكون أقوى حيث تتقرر النتيجة . ) .*

*قال الله تعالى في محكم التنزيل الكريم :*

*﴿ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ﴾*

*سورة الأنفال ـ الآية الكريمة رقم ( 46 ) .*

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

تعليق واحد

  1. أحسنتم سعادة اللواء عبدالله بن سعيد ، كلامٌ وجيهٌ ورؤيةٌ متزنة، فتركيز الجهد، ووحدة القيادة، وحسن تحديد الأولويات من أهم أسباب النجاح. هذه كانت ضمن دروس التخطيط الاستراتيجي العسكري في كلية القيادة و الاركان في المملكة العربية السعودية نسأل الله أن يحفظ اليمن وأهله، ويوفقكم لما فيه الخير، ويكتب النصر والتمكين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.