حوار الطرشان مستمر

حوار الطرشان مستمر
وتوم وجيري في مضيق هرمز
استكمالًا لما كتبته سابقًا في مقالاتي المتتابعة حول المشهد الأمريكي الإيراني، من مقال «أمريكا والنظام الإيراني»، إلى مقال «الشيطان الإيراني هو التفاصيل» بتاريخ 25 مايو 2026، وصولًا إلى سلسلة «حوار الطرشان»، يتأكد اليوم أن ما يجري ليس مفاوضات حقيقية بقدر ما هو دوران طويل داخل حلقة مغلقة؛ ضجيج كثير، تهديدات أكثر، اتفاقات معلّقة، وتصريحات متناقضة، ثم في النهاية: تيتي تيتي… زي ما رحتي جيتي.
العالم يترقب منذ شهور، ومضيق هرمز تحوّل من ممر ملاحي دولي إلى ورقة ابتزاز مفتوحة على كل الاحتمالات. الاقتصاد العالمي على كف عفريت، وأسعار الطاقة تتحرك مع كل تصريح، والأسواق تنتظر كلمة من واشنطن أو طهران، بينما السفن، والشركات، والدول المستوردة والمصدّرة، كلها تعيش على أعصابها.
ترامب يزمجر كعادته، يهدد ثم يفتح باب التفاوض، يلوّح بالقوة ثم يتحدث عن قرب الاتفاق، يرفع سقف الخطاب ثم يعود إلى لغة الصفقات. الرجل يفكر بعقلية رجل الأعمال: الربح والخسارة، الضغط والمساومة، رفع السعر قبل إغلاق الصفقة. لكن المشكلة أن الطرف الآخر لا يلعب بمنطق الدولة الطبيعية، بل بمنطق النظام العقائدي الذي يحترف شراء الوقت، وتحويل كل اتفاق إلى متاهة، وكل بند إلى حقل ألغام، وكل هدنة إلى فرصة لإعادة التموضع.
ولهذا قلت سابقًا إن الشيطان لا يكمن في التفاصيل فقط، بل إن الشيطان الإيراني هو التفاصيل نفسها. فإيران لا ترفض الاتفاق صراحة، ولا تقبله بوضوح. تترك الأبواب نصف مفتوحة، وتبقي النار تحت الرماد، وتفاوض بلسان، وتحرّك أذرعها بلسان آخر، وتنتظر دائمًا لحظة مناسبة تبيع فيها التراجع على أنه صمود، وتسوّق المأزق على أنه انتصار.
أما المشهد اليوم، فهو أقرب إلى مسلسل توم وجيري سياسي طويل: واشنطن تطارد، وطهران تراوغ، والعالم يصفق مرة ويشهق مرة، ثم لا شيء ينتهي. اتفاق اللا اتفاق يراوح مكانه. هدنة بلا ضمانات، تفاهمات بلا ثقة، ومضيق لا يُفتح كاملًا ولا يُغلق نهائيًا. لا حرب حاسمة، ولا سلام واضح، ولا قرار شجاع ينهي العبث.
وفي وسط هذا الضباب، تقف إيران وكأنها تنتظر المهدي المنتظر ليحسم لها مأزقها، بينما شعبها يدفع ثمن المغامرات، والمنطقة تدفع ثمن الأوهام، والعالم يدفع فاتورة ابتزاز الممرات البحرية والطاقة والتجارة. نظام يعيش على الأزمات، ويتغذى من الفوضى، ويعرف أن نهايته الحقيقية تبدأ يوم تُسحب منه أوراق الابتزاز.
لكن اللافت أن السعودية، كعادتها، لا تدخل المسرح بالصراخ. لا تلهث خلف الميكروفونات، ولا تبني مواقفها على الانفعال اللحظي. تعمل بصمتها المعتاد، وتقرأ المشهد بعمق، وتدرك أن إعادة رسم المسار لا تتم بالتصريحات النارية، بل بإدارة التوازنات، وفتح المخارج، وحماية أمن الخليج، ومنع المنطقة من الانزلاق إلى حريق شامل لا يستفيد منه إلا تجار الفوضى.
السعودية تعرف أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل شريان اقتصادي وسياسي وأمني. وتعرف أن أمن الخليج لا يُدار بردود الفعل، بل برؤية بعيدة، وصبر استراتيجي، وحساب دقيق لموازين القوى. لذلك تعمل على استعادة ضبط الإيقاع، لا خدمة لطرف على حساب طرف، بل حماية للمنطقة من مغامرات الحمقى، وابتزاز الميليشيات، وحسابات القوى الكبرى.
والحقيقة أن أمريكا لا تريد نهاية كاملة للنظام الإيراني بقدر ما تريد ضبط سلوكه واستثماره عند الحاجة. فوجود هذا النظام، منذ أكثر من أربعة عقود، ظل ورقة ضغط في المنطقة، ومبررًا لبقاء القواعد، وتحريك الأساطيل، وبيع السلاح، وإعادة تشكيل التحالفات. لذلك لا غرابة أن نرى واشنطن تضرب وتفاوض، تعاقب وتساوم، تصعّد ثم تهدّئ، لأنها لا تبحث دائمًا عن نهاية المسرحية، بل عن إدارة فصولها.
أما إيران، فهي تدرك ذلك جيدًا، ولذلك تلعب على حافة الهاوية. ترفع الشعارات، وتبيع الوهم لجمهورها، وتدّعي الصمود، لكنها في العمق تفاوض على بقائها، لا على كرامة الأمة ولا على تحرير فلسطين ولا على أي شعار من شعاراتها المستهلكة. كل ما تريده هو الاعتراف بدورها التخريبي كأمر واقع، ورفع بعض الضغوط عنها، مع الاحتفاظ بحقها في إشعال الحرائق متى شاءت.
وهنا يصبح «حوار الطرشان» عنوانًا دقيقًا للمرحلة. أمريكا تتحدث بلغة المصالح، وإيران تتحدث بلغة العقيدة والمراوغة، والعالم يتحدث بلغة الخوف من الانفجار، والمنطقة تتحدث بلغة الأمن والاستقرار. كل طرف يسمع نفسه فقط، وكل طرف يظن أنه يمسك بالخيط، بينما الحقيقة أن الخيط ملفوف حول عنق الاقتصاد العالمي كله.
إن استمرار هذا العبث حول مضيق هرمز يؤكد أن المنطقة بحاجة إلى عقل استراتيجي لا إلى مغامرين. بحاجة إلى دول تعرف قيمة الاستقرار، لا أنظمة تعيش على الأزمات. بحاجة إلى قيادة تملك الصبر والقوة معًا، لا خطابات جوفاء ومسرحيات مقاومة انتهت صلاحيتها.
ولذلك، فإن السعودية اليوم ليست مجرد مراقب في المشهد، بل ركيزة التوازن الأهم. تعمل بهدوء، لكنها تعرف متى تتكلم. تصمت، لكنها لا تغيب. تترك الآخرين يستهلكون ضجيجهم، ثم تتحرك حين يصبح المسار بحاجة إلى عقل لا إلى صراخ.
وفي النهاية، يبقى السؤال الكبير: هل نحن أمام اتفاق حقيقي، أم فصل جديد من اتفاق اللا اتفاق؟ هل سيفتح مضيق هرمز فعلًا، أم سنعود إلى لعبة التصريحات والتهديدات؟ هل انتهى مسلسل توم وجيري، أم أن الحلقة القادمة بدأت قبل أن تنتهي السابقة؟
كل المؤشرات تقول إن المسرحية لم تُسدل ستائرها بعد. وما دام القرار الإيراني أسير الوهم، وما دام القرار الأمريكي أسير الصفقة، وما دام العالم يراهن على هدنة مؤقتة بدل حل جذري، فإننا سنبقى في الدائرة نفسها:
تهديدات.
مفاوضات.
تسريبات.
تصعيد.
تهدئة.
ثم عودة إلى نقطة الصفر.
تيتي تيتي… زي ما رحتي جيتي.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
28 مايو 2026
