الدكتور عاصم حمدان شلال المدينة السيّال

الدكتور عاصم حمدان شلال المدينة السيّال
سعود العتيبي
تظل سيرة الرواد مصابيح لا تنطفئ برحيل أصحابها، بل تترك خلفها أثراً يمتد في وعي الأجيال، ويحفر في ذاكرة الوطن ملامح من العطاء الإبداعي والمعرفي. ومن بين هؤلاء الرواد الذين تركوا بصمة لا تُمحى في المشهد الثقافي والأدبي السعودي، يبرز اسم الأديب الأريب الأستاذ الدكتور عاصم حمدان -رحمه الله- كقيمة فكرية وقامة صحفية وإنسانية استثنائية، صاغت من عشق الكلمة سيرة ومسيرة وهاجة
من زوايا الذاكرة إلى عتبات التاريخ :
لم يكن الراحل مجرد كاتب عابر، بل كان مؤرخاً للمكان والوجدان. تنقلت خطاه وقلمه بين ثنايا التاريخ؛ فمن “زاوية ذكريات من الضفة”، يعبر بنا إلى تفاصيل الحارات العتيقة التي سكنت قلبه وعقله، متلمساً عبق التاريخ في “حارة الأغوات”، ومستنشقاً نسيم الماضي في “حارة المناخة”، ليمتزج ذلك كله بأشجان “الشامية”. كان قلمه ينبض بهتاف روحي خالص ينطلق من “باب السلام”، معلناً رحلة شوق لا تنتهي إلى “العنبرية”، ليوثق من خلال تلك المحطات جغرافيا الروح قبل جغرافيا المكان .
بوصلة الصحافة في بلاد الغربة :
راود حنين الصحافة الأستاذ الدكتور عاصم حمدان منذ وقت مبكر، فوجه بوصلته نحو الفضاء المعرفي الرحب. ومن بريطانيا، حيث كان بزوغ فجر تجربته الإعلامية الدولية، تولى رئاسة تحرير مجلة الطلاب السعوديين الصادرة عن ناديهم هناك. كانت تلك التجربة حجر الأساس الذي صقل أدواته الثقافية، وجعلت منه جسراً يربط بين ثقافة الوطن وتطلعات أبنائه في الخارج، ممثلاً لوطنه خير تمثيل ومؤسساً لخطاب صحفي واعي ورصين.
في خدمة ضيوف الرحمن وأصالة الجذور :
حين حط الراحل رحاله في أطهر بقاع الأرض، تسنم ذروة العطاء الإعلامي والثقافي برئاسة تحرير “مجلة الحج”، واضعاً خبرته الطويلة في خدمة ضيوف الرحمن، ومقدماً صورة مشرقة للثقافة الإسلامية. ولأن عشق الأدب والكتابة ظل يجري في عروقه مجرى الدم، عاد بقلمه السيال إلى المنابع الأولى؛ فترأس تحرير مجلة “جذور” الصادرة عن النادي الأدبي بجدة، ليعيد النبض إلى الأصالة والأدب، ويرسخ قيم الهوية الثقافية في قلوب جيل الشباب.
شلال إبداعي لا ينضب :
ولم يتوقف عطاء الدكتور عاصم حمدان عند حدود المجلات المتخصصة؛ بل ظل شلالاً إبداعياً متدفقاً يغذي الفكر المعاصر من خلال زاويته الشهيرة (رؤية فكرية) بملحق الأربعاء في صحيفة المدينة. كما توجت مسيرته العلمية والأدبية بولادة “المجموعة الكاملة” لأعماله، والتي صدرت برعاية واحتفاء من “اثنينية عبدالمقصود خوجة”، لتكون شاهداً حياً على غزارة إنتاجه وعمق أثره المعرفي.
الرحيل وبقاء الأثر :
رحل الدكتور عاصم حمدان عن دنيانا بعد مسيرة حافلة بالعلم، والأدب، والصحافة، والتاريخ، وفاضت روحه الطاهرة إلى بارئها، تاركة وراءها فراغاً لا يسده إلا تدبر هذا الإرث العظيم الذي خلفه. إن “أثر الرواد” لا يقاس بالسنوات التي عاشوها، بل بالبصمات التي تركوها في عقول نتاجهم وتلاميذهم. ورحم الله الأديب المؤرخ عاصم حمدان، وجعل ما قدمه من علم وفكر أثراً باقياً ونوراً يضيء طريق الباحثين عن الحقيقة والأصالة.
كاتب رأي


