كُتاب الرأي

أحلى من الشرف ما فيش

أحلى من الشرف ما فيش

محمد الفريدي

من أشهر الإفيهات التي ما زلت أحبها وأرددها للفنان توفيق الدقن رحمه الله، وسمعتها منه في فيلم (أحبك يا حسن): (أحلى من الشرف ما فيش).

وقيلت على لسانه ضمن شخصية (عبده الدنس)، وهي شخصية كانت تمثل نموذجا للبلطجة، وكان يوظفها بأسلوب ساخر للتهكم على منطق القوة لدى بعض شخصيات الفيلم.

ومع الوقت تحولت هذه الجملة إلى لازمة شهيرة تكررت في أعماله، وأصبحت مرتبطة به في الثقافة الشعبية المصرية؛ لأنه أداها بأسلوب يجمع بين القوة والكوميديا في آن واحد، فبقيت من أشهر ما يتداول من إفيهاته حتى اليوم.

وتذكرتها مع صدور الغرامات والعقوبات التي لا تجامل أحدا، واستخدمتها عندما تجاوز بعض الأشخاص حدود النظام، وتعاملوا مع القوائم المالية لشركة مدرجة في سوق الأسهم وكأنها ملك لهم وحدهم، يتلاعبون بها متى شاءوا وكيف شاءوا وفي أي وقت.

وإن كنت أجزم بأن هيئاتنا المختصة بالرقابة لهم بالمرصاد، ولا تتحرك من منطلق الإجراء الروتيني، وإنما تمارس دورها الرقابي بهدف كشف الخلل قبل أن يتحول إلى سلوك يتكرر داخل بيئات العمل والمجتمع.

عندما تظهر أي مؤشرات على تلاعب أو تجاوز للأنظمة، فإن التعامل معها لا يكون بالالتفاف عليها، وإنما يتم عبر إطار رقابي صارم يبدأ بالتدقيق الشامل وجمع البيانات بدقة، ثم يحال الأمر إلى التحقيق مع المتلاعبين، دون أن يترك مجال للشك أو الالتباس.

وبعد ذلك تصدر القرارات الواضحة التي قد تصل إلى السجن أو الغرامات الكبيرة أو العقوبات الإدارية الرادعة، لإعادة الأمور إلى مسارها الصحيح.

وحجم الجزاءات هنا لا يفرض للاستعراض أو الانتقام، وإنما يعكس حجم المخالفات التي ارتكبت ودرجة انحرافها عن القواعد، وأنظمتنا ليست لوائح تفصّل على مقاس الأشخاص أيّا كانوا، وكل تجاوز لها يُقابَل بإجراءات حازمة تعيد الأمور إلى نصابها وتمنع تكرار الخلل.

كما تسهم هذه الإجراءات في تعزيز ثقتنا بمنظومتنا الاقتصادية؛ لأنها تؤكد لنا أن الرقابة لا تستثني أحدا، وأن جميع المنشآت تخضع للمعايير نفسها دون تمييز، مما يوفر مناخا استثماريا مستقرا وعادلا، ويُسهم في حماية صغار المستثمرين والمواطنين، ويضمن لهم دقة المعلومات التي تُبنى عليها قراراتهم.

وعلى نحو غير متوقع صدر قرار قطعي من لجنة الاستئناف في منازعات الأوراق المالية ضد 11 مخالفا، لتلاعبهم بالقوائم المالية لشركة الشرق الأوسط للرعاية الصحية (السعودي الألماني الصحية) المدرجة في سوق الأوراق المالية، وتغريمهم مجتمعين نحو 18 مليون ريال، وعلى رأسهم رئيس مجلس إدارتها.

وتضمنت القائمة عددا من أفراد عائلة واحدة، وهم: صبحي عبدالجليل إبراهيم بترجي، ومكارم صبحي عبدالجليل بترجي، وسلطان صبحي عبدالجليل بترجي، وخالد عبدالجليل إبراهيم بترجي، إضافة إلى آخرين من المنتفعين الذين يستفيدون من التلاعب بالقوائم المالية.

وأضافت الهيئة في قرارها أن المدانين قاموا بتضخيم إيرادات شركتهم وإيجاد انطباع غير صحيح ومضلل بشأن قيمتها الدفترية، وقد نتج عن ذلك — وفق ما ورد — إثبات معلومات غير صحيحة في القوائم المالية، مما أدى إلى التأثير في أصولها وإظهار قوائمها المالية على غير حقيقتها، فضلا عن إدراج إيرادات وهمية.

ويأتي هذا القرار القطعي نتيجة التنسيق والتعاون المشترك بين هيئة السوق المالية والجهات المعنية ذات العلاقة، وأكدت الهيئة أهمية ما تمثله ثقة المستثمرين بالسوق المالية لنموها وتطويرها، مشيرة إلى استمرارها في رصد أي سلوكيات مخالفة وضبط مرتكبيها واستكمال الإجراءات اللازمة لفرض العقوبات الرادعة بحقهم.

وأعلنت للعموم عبر موقعها الإلكتروني هوية المخالفين بعد ثبوت مخالفاتهم وصدور قرار قطعي بحقهم، وأوضحت أن من حق المتضررين التقدم إلى لجنة الفصل في منازعات الأوراق المالية بدعاوى فردية أو جماعية للمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحق بهم جراء هذه المخالفات.

وتعكس هذه القضايا طبيعة التحول الكبير الذي يعيشه قطاع الأعمال في مملكتنا، حيث أصبحت الرقابة أكثر صرامة ووضوحا، وأصبح الإفصاح المالي والحوكمة جزءا أساسيا من بيئة شركاتنا وسوقنا، خصوصا تلك التي تقدم خدمات حساسة مثل القطاع الصحي الذي يدر سنويا عشرات المليارات.

مثل هذه القرارات الصارمة تؤكد أن العدالة في السوق لا تتحقق بالغرامات فقط، وإنما عبر ترسيخ مبدأ أن البيانات المالية يجب أن تعكس الواقع الفعلي وفق المعايير المتبعة، وأن أي خلل—مهما كانت دوافعه—يعرض القائمين عليه للمساءلة النظامية، بما يعزز استقرار السوق ويعزز ثقة المستثمرين به.

والغريب أن هؤلاء يتعاملون مع أنظمتنا منذ زمن بعيد وكأنها أوراق للزينة أو أوراق كلينكس، ويتظاهرون بالنزاهة والطيبة والخوف على مصالح المواطنين في الإعلام وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الوقت نفسه لا يرون اللوائح ملزمة لهم، ولا يلتزمون بها؛ يقرؤونها ثم يضعونها في المفرمة ويصفقون لأنفسهم على أنهم أذكياء، ويمضون في طريقهم معتقدين أن الأرقام والقوانين يمكنهم تشكيلها بأموالهم كما يشاؤون.

وأن قوائم شركاتهم يمكن أن تتحول أيضا بأيديهم إلى مصباح علاء الدين السحري الذي يفتح ويغلق حسب حاجتهم للأموال، أو بوفيهات مفتوحة: اليوم مزاجهم الأكل من (الإيرادات الأعلى)، وغدا من (الأصول الأضخم)، ثم يقولون لنا (بدأنا من الصفر، ولا تسألونا كيف اغتنينا وبلاش دلع).

لكن الواقع اليوم لا يعمل بمنطقكم، منطق البلطجة والمزاجية و(الشيطنة والفهلوة) التي تعودتم عليها على ما يبدو، وإنما يعمل بمنطق كشف الخلل؛ فإذا تضخمت إيراداتكم دون سند، وظهرت القيمة الدفترية لشركاتكم على غير حقيقتها، وجعلتم الإفصاح يبدو للمستثمرين كعرض مسرحي أو سيرك.

سنقص أظافركم ولو بلغت أموالكم عنان السماء؛ فهذه ليست (هفوة) ولا (أمرا عاديا)، وإنما هي خط أحمر يمسّ أمننا الاقتصادي بشكل مباشر، وكل من يحاول من أمثالكم تلوين تلاعبه بألوان زاهية لاكتساب ثقة السوق والمواطنين والمستثمرين عليه أن يتوقع أنه سيأتي يوما لـ(لكهموس) ومعه ملفاته وتقاريره و(خلاقينه) بـ(جمس أسود وكلبشات).

ورقابتنا لا توزع (بطاقات تهنئة) على المخالفين من أمثالكم، وإنما تبلغكم في الوقت المناسب أن اللعبة انتهت، وأن النزاهة ليست موضوعا لمزايداتكم، ولا استعراضا كاستعراضاتكم أمام الرأي العام بسياراتكم وأموالكم وقصوركم، وإنما هي إجراءات بنيت على وقائع بدأت بالتدقيق والرصد والمقارنة والفحص، وانتهت بالقضاء والقرارات القطعية التي لا تقبل الطعن.

قوائمكم المالية المعدلة لا تضر شركتكم فحسب، وإنما تضرب في مقتل مشروع الاستثمار في بلادنا، وتربك قرار المستثمر، وتهز ثقة المواطن بقيادته، وتنسف قاعدة عدالة المعلومات، وتضعف حمايته من التضليل.

وحين تقرر الجهة المختصة ثبوت التلاعب وتُعلنه، فإن ذلك يعني وجود أدلة لا تقبل الشك، وأن الأرقام التي أدرجت في القوائم ليست مجرد خطأ غير متعمد، وإنما فعل مُخطط له مع سبق الإصرار والتعمد، وتلاعب في البيانات لتعظيم مكاسبكم.

لذلك يسهل عليكم عند الإخفاق تكرار عبارات من قبيل (نحن في طور التحسين)، و(أخطاء إجرائية)، و(تقديرات محاسبية)، ولا تقولون لأنفسكم (كفاية دلع).

والمفروض بقدر ما يكون سلوككم مخالفا، تكون عقوباتكم أشد، فسرقة الأغنياء لأموال الفقراء بهذه الطريقة جريمة لا تُغتفر، والعقوبات ما وُضعت حبا في عقابكم، وإنما لمنع تكرار أفعالكم المشينة بيننا مرة أخرى.

وهنا تظهر أهمية عقابكم بعقوبات أشد من الغرامات، لأن ما حدث منكم لم يقف عند حدود القوائم المالية والمستثمرين الغلابا فقط، وإنما امتد إلى سمعة المملكة، وسمعة منظومتها المالية والصحية، وإلى ثقة المستثمرين والمجتمع والسوق الذي كلما حاول أن يحلق جئتم له مع أعوانكم بمصيبة من تحت الأرض.

لذلك لا نطالب بمخالفة ويغلق ملفكم، وإنما نطالب بإجراءات رادعة تتناسب مع خطورة ما قمتم به، باعتبار أنه يمس أمننا الاقتصادي عن سبق إصرار وتعمد، فالحوكمة ليست قناعا يستخدم كغطاء لنهب الأموال العامة والخاصة، وإنما هي التزام ومسؤولية وممارسة تترجم إلى أفعال ونتائج نحمي بها الثقة والسوق والدولة.

ثم إن هناك كلاما في فمي لا بد أن يُقال بوضوح: من يعبث بالقوائم المالية لا يعصي لوائح هيئة السوق المالية فحسب، وإنما يعصي الملك الذي أقر سياسات الاستثمار، ومن يزوّر أصول شركاته لا يتلاعب بالمستندات، وإنما يسيء إلى من اعتمدها في رأس الهرم، فكيف يجرؤ ويعبث بها ويزوّرها، وهو يدرك أن المساس بها هو مساس مباشر بالهيبة وعدالة السوق واستقراره، وتقويض ثقة المجتمع.

ولذلك فإن الإعلان عن أسماءكم بعد ثبوت مخالفاتكم هو أيضا جزء من ردعكم، حتى لا يصبح (الالتزام غير إلزامي)، وتتحول (الرقابة) إلى قصة تُروى للغلابا قبل نومهم يوما ما ثم تُنسى.

هنا يا صبحي لا مكان للدلع، ولا مكان للتلاعب، ولا مكان لفكرة (القوائم القابلة للتعديل كما تشاء).

وإذا أردت أن تكون شركتك قوية، فلتقوِّمها بالواقع لا بالأرقام المكذوبة، ولتعيش بيننا معززا مكرما فعليك أن تعلم أن سوقنا لا يُدار بالأكاذيب ولا بالتدليس، ونحن كمواطنين نتصدى لها ونرفضها، والهيئات الرقابية تردعها بالمتابعة والتحقق والتحقيق.

ليس عيبا أن تخطئوا، العيب أن تصرّوا على الخطأ وتدافعوا عنه، وليس عيبا أن تختلفوا معنا في الرؤى، العيب أن تحولوا ثرواتكم إلى وسيلة لتحطيم شبابنا الكادح، وحين يكتشف أمركم تبررون أخطاءكم، وتحاولون تمرير ما لا يمكن الدفاع عنه، وكأن حقيقتكم تُغيَّر بالإنكار أو تُمحى بالتقادم.

أنتم ظننتم أن القوائم المالية (ورقة قابلة للتلاعب بأيديكم)، وأن (السوق سوق أبوكم) يُدار بمزاجكم، وأن أرقام قوائمكم المالية تُطوَّع كما يُطوَّع من حولكم، وأن الرقابة يمكن الالتفاف عليها بالعلاقات والنفوذ.

ولا تعلمون أن سوقنا لا يُدار بهذا الوهم، ولا تنخدع مؤسساته بهذه السذاجة، وكل رقم يُزوَّر يُعيد نفسه يوما في شكل مساءلة، وكل كلمة جرحتم بها أبناءنا في السابق تعود عليكم اليوم أكثر قسوة مما ألحقتموه بهم من ضرر.

يا لها من لحظة تاريخية لأولئك الذين يعيشون على فكرة أن الإفصاح مجرد ديكور، وأن الخدمات الجانبية مساحة للمجاملة، وأن التلاعب بالأرقام لعبة الكبار، ولم يدركوا أن من يعبث بقوت أبناء مجتمعنا سيترك يوما ما وحيدا أمام الحقيقة وصقور القانون.

كنتم تتصرفون بالقوائم وكأنها مجرد ستارة؛ بإمكانكم سحبها يمينا ويسارا، وتنتظرون أن يصفق لكم المواطنون والمستثمرون، غير أن الحقيقة يا صبحي لا تتأثر بقدرتكم على الكلام، وإنما تتأثر بالدليل، وبالقواعد المرعية التي لم تسن لتناسب راحة أحد من شلتك، شلّة العصاميين.

لهذا نقول: إن ما نطرحه ليس بدافع التهكم أو السخرية، وإنما من باب التأكيد على أهمية الالتزام بالأنظمة ومعايير الإفصاح والحوكمة، فالمطلوب اليوم تعزيز الشفافية وتحمل المسؤولية في إدارة الشركات المدرجة بما يضمن حماية حقوق المستثمرين وثقة السوق وتطبيق القواعد النظامية على الجميع دون استثناء، و(أحلى من الشرف ما فيش)

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.