كُتاب الرأي

هرمز… الهدنة التي لم تنه أسباب الحرب .ك

هرمز… الهدنة التي لم تنه أسباب الحرب .ك

رؤية تحليلية استراتيجية 

تدخل الأزمة الأمريكية ـ الإيرانية اليوم مرحلة أكثر تعقيدا من المواجهة العسكرية المباشرة.
مرحلة تحاول فيها طهران تقديم نفسها باعتبارها طرفا يسعى إلى التهدئة، بينما تواصل عمليا إستخدام مضيق هرمز كورقة ضغط سياسية وأمنية ضد خصومها الإقليميين والدوليين.

التصريحات الإيرانية التي تستبعد عودة الحرب مع واشنطن، بالتزامن مع إستمرار منع عبور ما تصفه بالدول ( المعادية ) عبر هرمز، تكشف تناقضا استراتيجيا واضحا؛ لأن إستقرار المنطقة لا يقاس بالتصريحات السياسية وحدها، بل بمدى احترام حرية الملاحة والقانون الدولي وعدم تحويل الممرات البحرية إلى أدوات ابتزاز جيوسياسي.

جوهر الأزمة الحالية يعود بدرجة كبيرة إلى طبيعة السلوك الذي اتبعه النظام الإيراني طوال السنوات الماضية. فبدل بناء بيئة إقليمية مستقرة تقوم على حسن الجوار واحترام السيادة، إختارت طهران المضي في مشروعها الثوري الهجومي التخريبي، عبر توسيع النفوذ بواسطة الأذرع الإرهابية المسلحة والتنظيمات المرتبطة بالحرس الثوري، مع الإستمرار في إستخدام التصعيد البحري والصاروخي وسيلة لفرض النفوذ وإطالة أمد الأزمات.

هذا النهج جعل كثيرا من العواصم الخليجية والعربية والعالمية تنظر إلى أي تهدئة إيرانية باعتبارها تهدئة تكتيكية مؤقتة، لا تحولا إستراتيجيا حقيقيا في السلوك.

التحليل العسكري والسياسي للمشهد الراهن يشير إلى أن النظام الإيراني يحاول اليوم تحقيق ثلاثة أهداف متزامنة:

﴿ أولا ﴾
منع عودة الضربات العسكرية الواسعة عبر خطاب سياسي أكثر براغماتية وأقل حدة.

﴿ ثانيا ﴾
الحفاظ على أوراق النفوذ البحري داخل الخليج العربي دون الوصول إلى إغلاق شامل قد يستفز المجتمع الدولي بالكامل.

﴿ ثالثا ﴾
إعادة تثبيت صورة إيران كقوة إقليمية قادرة على التأثير في أمن الطاقة العالمي حتى بعد أشهر طويلة من الحرب والاستنزاف.

لكن هذه السياسة نفسها تبقي جذور التوتر قائمة.
فلا يمكن الحديث عن إستقرار حقيقي بينما تبقى الملاحة الدولية مرتبطة بحسابات النفوذ والصراع، وتبقى الجغرافيا البحرية خاضعة لخطابات التهديد ومعايير الخصومة السياسية.

﴿ الخطر لم يعد في الحرب وحدها… بل في تحول التهديد إلى حالة دائمة ﴾ .

الدوائر الدولية قاطبة باتت تدرك أن أخطر ما في الأزمة ليس إحتمال إندلاع الحرب مجددا، بل إحتمال تحول التهديد المؤقت إلى واقع استراتيجي دائم . ولهذا تتزايد التحركات الدولية لإعادة تثبيت أمن الملاحة ومنع أي طرف من احتكار التحكم بإيقاع التجارة والطاقة العالمية.

المشهد الحالي يؤكد أن الحرب لم تتوقف لأن أسبابها انتهت ، بل لأن الجميع وصل إلى مرحلة إعادة حساب الكلفة. أما جذور الأزمة الحقيقية، فما زالت مرتبطة بسياسات النظام الإيراني الثورية الهجومية التخريبية ، وباستمرار استخدام الجغرافيا والأذرع الإرهابية المسلحة وأمن الملاحة أدوات لإدارة النفوذ الإقليمي.

﴿ الممرات البحرية لا تخشى العواصف المؤقتة… بل تخشى حين تتحول الجغرافيا إلى أداة ابتزاز سياسي دائم ﴾ .

كتبه ؛
اللواء البحري الركن / م. عبدالله بن سعيد الغامدي

الأربعاء ﴿ 27 ﴾ مايو 2026 م .

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.