كُتاب الرأي

كيف تجري المفاوضات الأمريكية الإيرانية؟ .

كيف تجري المفاوضات الأمريكية الإيرانية؟ .

رؤية تحليلية .

لا تعكس المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران تحولًا حقيقيًا في سلوك النظام الإيراني، بقدر ما تعكس محاولة مؤقتة لإدارة التوتر ومنع تصعيد إقليمي واسع قد يهدد الإقتصاد العالمي وأمن الطاقة . فجوهر الأزمة لا يتعلق فقط بالبرنامج النووي، بل بطبيعة المشروع الذي تبناه النظام الإيراني منذ عام ( 1979 ) ، والقائم على تصدير النفوذ الثوري التخريبي وتوسيع السيطرة الإقليمية عبر أدوات عسكرية وأمنية إرهابية تتجاوز مفهوم الدولة التقليدية.

الولايات المتحدة تدرك أن الدخول في حرب مباشرة مع إيران سيكون مكلفًا ومعقدًا، خصوصًا في ظل تشابك الأزمات الدولية وحساسية أسواق النفط والممرات البحرية. لذلك تبدو واشنطن أكثر ميلًا إلى سياسة الاحتواء والضغط طويل الأمد بدل المواجهة الشاملة . لكن هذا لا يغير حقيقة أن النظام الإيراني كان خلال العقود الماضية أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

فطهران لم تكتف ببناء نفوذ سياسي تقليدي، بل عملت على إنشاء شبكة ممتدة من الجماعات الإرهابية المسلحة والكيانات الموازية للدول، مستفيدة من الفوضى والانقسامات الطائفية والحروب الأهلية لتوسيع حضورها الإقليمي. وبدل أن تتحول إلى دولة طبيعية تبحث عن التنمية والاستقرار، أختار النظام الإيراني الاستثمار في الصراعات، واستخدام الميليشيات الإجرامية المنظمة كأدوات نفوذ وردع وابتزاز سياسي.

كما أعتمدت إيران على استراتيجية تقوم على إدارة التوتر لا إنهائه؛ فكلما اشتدت الضغوط الاقتصادية أو السياسية، لجأت إلى التصعيد عبر الوكلاء الإرهابيين، أو التهديد بإغلاق الممرات البحرية، أو رفع مستوى التخصيب النووي، بهدف فرض نفسها كقوة لا يمكن تجاوزها. ولهذا تنظر كثير من دول المنطقة إلى المشروع الإيراني باعتباره مشروعًا يقوم على إستنزاف الدول العربية وإضعاف مؤسساتها وتحويل أزماتها الداخلية إلى ساحات نفوذ مفتوحة.

البرنامج النووي الإيراني بدوره لا يمكن فصله عن هذه الرؤية التوسعية. فالنظام يتعامل مع الملف النووي باعتباره أداة ردع سياسي واستراتيجي تمنحه قدرة أكبر على حماية مشروعه الإقليمي، وليس مجرد حق سيادي أو مشروع علمي سلمي كما يروج رسميًا. ولهذا فإن القلق الدولي لا يرتبط فقط بإمكانية إمتلاك سلاح نووي، بل أيضًا بطبيعة النظام الذي قد يمتلك هذه القدرة.

ورغم هذا الخطاب الثوري التخريبي والتوسع الإقليمي، يواجه النظام الإيراني أزمة داخلية عميقة. فالاقتصاد يعاني من إنهاك مزمن، والعقوبات أثقلت المجتمع الإيراني، بينما تتزايد حالة السخط الشعبي نتيجة تدهور المعيشة وتوجيه الموارد نحو المشاريع العسكرية والتوسعية بدل التنمية الداخلية. وهذا ما يجعل تخفيف العقوبات ضرورة حيوية للنظام، حتى وإن حاول تقديم أي اتفاق باعتباره انتصارًا سياسيًا.

التقدير الأمريكي يبدو قائمًا على أن إسقاط النظام الإيراني ليس خيارًا مطروحًا حاليًا، لكن إحتواءه ومنعه من التحول إلى قوة نووية عسكرية كاملة يبقى أولوية استراتيجية. ولهذا تسعى واشنطن إلى إبقاء مستوى التصعيد تحت السيطرة، مع استمرار سياسة الاستنزاف الاقتصادي والعزل السياسي طويل الأمد.

أما دول الخليج العربي ، فتدرك أن أي اتفاق لا يتضمن معالجة حقيقية لبرنامج الصواريخ الإيراني، ولشبكات النفوذ الإرهابية المسلحة المرتبطة بطهران، سيبقى اتفاقًا هشًا يمنح النظام فرصة لإعادة ترتيب أدواته دون تغيير جوهري في سلوكه.

وفي النهاية، لا يبدو الشرق الأوسط متجهًا نحو سلام أمريكي إيراني حقيقي، بل نحو هدنة مؤقتة بين مشروعين متصارعين. فالمشكلة الأساسية لا تكمن فقط في الملف النووي، بل في طبيعة النظام الإيراني نفسه، وفي عقيدته السياسية القائمة على النفوذ عبر الفوضى، وإدارة الأزمات، وتصدير التوتر باعتباره أداة دائمة لتعزيز البقاء والتمدد.

كتبه ؛
اللواء البحري الركن / م .
عبدالله بن سعيد الغامدي
الإثنين ( 25 ) مايو 2026 م .

 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.