كُتاب الرأي

قرية نيوتن

قرية نيوتن

حيث وُلدت الأفكار التي غيّرت العالم

بقلم: بكري عساس

حين وصلتُ إلى قرية وولزثورب الصغيرة التابعة لمقاطعة لينكونشير البريطانية، شعرتُ أنني أقف أمام مكانٍ استثنائي غيّر تاريخ البشرية. فهذه القرية الهادئة هي الموطن الذي عاش فيه العالم الشهير السير إسحاق نيوتن، ومنها انطلقت أفكاره واكتشافاته التي أسهمت في تغيير فهم الإنسان للكون. وكانت المفاجأة أن غالبية زوار القرية من طلاب المدارس القادمين من كوريا واليابان والصين، في مشهد يعكس اهتمام تلك الشعوب بالعلم والعلماء وتقديرهم العميق للمعرفة.

المكان عبارة عن منزل نيوتن القديم والحديقة التي تضم الشجرة الشهيرة التي يُقال إن سقوط تفاحة منها ألهمه التفكير في قانون الجاذبية الأرضية. وقد وُضعت الشجرة داخل سياج خشبي للحفاظ عليها، فيما جُهزت أماكن تعليمية للأطفال تحاكي تجارب نيوتن واكتشافاته، إضافة إلى مكتبة تضم كتبًا ومطبوعات عن حياته وإنجازاته العلمية.

ويشمل برنامج الزيارة عرضًا مرئيًا يحكي سيرة نيوتن، وجولة مع أحد المرشدين داخل المنزل الذي عاش فيه، حيث تُعرض بعض الأدوات والمناظير التي صنعها بنفسه. كما يمكن مشاهدة الغرفة التي زاره فيها عالم الفلك البريطاني الشهير إدموند هالي، والتي كان نيوتن يقضي فيها ساعات طويلة لحل المعادلات الرياضية. ولا تزال بعض الكتابات بخط يده محفوظة على الجدران، إلى جانب رسالة أرسلتها إليه والدته أثناء دراسته في جامعة كامبريدج، ويُقال إنه استخدم خلفية الرسالة في تدوين بعض حساباته الرياضية.

وفي هذه الغرفة بدأ نيوتن كتابة كتابه الشهير «المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية»، الذي نُشر عام 1687م، ويُعد من أهم الكتب في تاريخ الفيزياء والرياضيات والفلك. وقد وصفه العالم الفرنسي لابلاس بأنه «الكتاب الذي كشف للبشرية القانون الأعظم للكون».

ولم يكن نيوتن عالمًا عاديًا؛ فقد أسهم في وضع قوانين الحركة الثلاثة التي أصبحت أساس علم الميكانيكا الكلاسيكية، كما قدّم تفسيرًا علميًا للجاذبية الأرضية، وطوّر علم التفاضل والتكامل بالتوازي مع العالم لايبنتز. كذلك كان له دور بارز في علم البصريات، حيث أثبت أن الضوء الأبيض يتكوّن من ألوان متعددة، واخترع أول تلسكوب عاكس عملي، وهو اختراع أحدث نقلة كبيرة في عالم الفلك.

ومن الطريف في حياة نيوتن أن جامعة كامبريدج أغلقت أبوابها عام 1665م بسبب انتشار الطاعون في بريطانيا، فعاد إلى منزل أسرته في القرية، وهناك عاش فترة من العزلة العلمية استمرت نحو عامين. لكن تلك العزلة تحولت إلى المرحلة الذهبية في حياته؛ ففيها وضع أسس أهم اكتشافاته في الجاذبية والبصريات والرياضيات، حتى إن بعض المؤرخين يصفون تلك الفترة بأنها الأعظم إنتاجًا في تاريخ العلم.

وقد صنّف المؤرخ الأمريكي مايكل هارت إسحاق نيوتن باعتباره ثاني أكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ البشري، في كتابه الشهير «المئة شخصية الأكثر تأثيرًا في التاريخ»، بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وربما يكشف هذا التقدير حجم الأثر الذي تركه نيوتن في مسيرة الحضارة الإنسانية، إذ ما زالت قوانينه واكتشافاته تُدرّس حتى اليوم، وتشكل أساسًا لكثير من العلوم والتقنيات الحديثة.

إن زيارة قرية نيوتن ليست مجرد جولة سياحية، بل رحلة إلى المكان الذي وُلدت فيه أفكار غيّرت فهم الإنسان للكون، وأثبتت أن الظروف الصعبة قد تكون بداية لاكتشافات عظيمة تخلّد أصحابها عبر التاريخ.

كاتب رأي 

 

الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.