كُتاب الرأي

الدكتوراه الفخرية

الدكتوراه الفخرية

حين تُكرِّم الجامعات صُنّاع الأثر

بقلم: بكري عساس

ليست كل شهادة دكتوراه ثمرة سنوات من الدراسة والبحث العلمي، فهناك نوع خاص من التكريم الأكاديمي يُعرف باسم «الدكتوراه الفخرية»، تمنحه الجامعات العريقة لشخصيات تركت أثراً بارزاً في خدمة الإنسانية أو العلوم أو الثقافة أو العمل العام. وتُعد هذه الدرجة من أرفع أشكال التقدير التي تقدمها المؤسسات الأكاديمية، إذ تعبّر عن اعتراف المجتمع العلمي بإنجازات استثنائية حققها أصحابها خارج القاعات الدراسية والمختبرات الجامعية.

والدكتوراه الفخرية تختلف عن الدكتوراه الأكاديمية التقليدية؛ فهي لا تتطلب دراسة منهجية أو إعداد رسالة علمية أو اجتياز اختبارات جامعية، كما أنها لا تمنح صاحبها تلقائياً حق التدريس في الجامعات أو ممارسة المهن الأكاديمية التي تشترط مؤهلات علمية محددة. ولهذا تُعد في جوهرها وساماً علمياً وأدبياً أكثر من كونها مؤهلاً أكاديمياً.

ويعود تاريخ هذا التقليد إلى الجامعات الأوروبية القديمة، حيث بدأت بعض الجامعات بمنح درجات فخرية للشخصيات ذات المكانة الرفيعة أو الإنجازات المميزة. وتشير المصادر التاريخية إلى أن من أوائل من نالوا هذه الدرجة رجل الدين الإنجليزي ليونيل وودفيل في القرن الخامس عشر، لتبدأ بذلك مسيرة طويلة استمرت لأكثر من خمسة قرون وما زالت مستمرة حتى اليوم.

ومع مرور الزمن تحولت الدكتوراه الفخرية إلى تقليد أكاديمي راسخ تتبناه أعرق الجامعات في العالم، مثل جامعتي أكسفورد وكامبريدج في بريطانيا، وجامعات هارفارد وييل وبرنستون في الولايات المتحدة، إضافة إلى عشرات الجامعات المرموقة في أوروبا وآسيا والعالم العربي.

وقد حصل على هذه الدرجة شخصيات كثيرة من مجالات مختلفة، فحملت أسماء علماء ومفكرين وأدباء وقادة سياسيين ورواد أعمال ورياضيين وفنانين. ومن بين الأسماء التاريخية البارزة التي نالت درجات فخرية العالم والمخترع بنجامين فرانكلين، كما مُنحت للناشطة الإنسانية هيلين كيلر تقديراً لكفاحها الملهم ودفاعها عن حقوق ذوي الإعاقة. وفي العصر الحديث حصل عليها عدد من الرياضيين العالميين والمبدعين الذين تركوا بصمة واضحة في مجالاتهم.

وتحرص الجامعات عند منح هذه الدرجة على أن يكون المكرَّم قد قدم إسهاماً استثنائياً يتجاوز حدود تخصصه أو وطنه، بحيث ينعكس أثر عمله على المجتمع أو الإنسانية بصورة عامة. ولهذا نجد أن كثيراً من الحاصلين عليها لم يكونوا أكاديميين بالمعنى التقليدي، لكنهم نجحوا في تغيير حياة الناس أو تطوير المعرفة أو خدمة القضايا الإنسانية.

ورغم الجدل الذي يثار أحياناً حول بعض قرارات منح الدكتوراه الفخرية، فإن قيمتها المعنوية ما تزال كبيرة، لأنها تمثل اعترافاً رسمياً من مؤسسة علمية مرموقة بأن صاحبها قدم إنجازات تستحق التقدير والتوثيق. كما أنها تجسد العلاقة بين الجامعة والمجتمع، وتؤكد أن العلم لا يقتصر على قاعات الدراسة، بل يمتد إلى كل عمل يسهم في تقدم الإنسان ورفاهيته.

وهكذا بقيت الدكتوراه الفخرية، منذ نشأتها في الجامعات الأوروبية قبل قرون طويلة، رمزاً للتقدير والاعتراف بالتميز، ووسيلة تحتفي من خلالها الجامعات بأصحاب الإنجازات المؤثرة الذين تركوا بصمة خالدة في مسيرة البشرية.

كاتب رأي

 

 

الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.