كُتاب الرأي

العِلم في العَقل… لا في الورق!

العِلم في العَقل… لا في الورق!

بقلم: بكري عساس

عبر التاريخ الإنساني، ظهر علماء ومفكرون غيّروا مسار الحضارة، وتركوا بصمات خالدة في مختلف العلوم، رغم أنهم لم يحملوا شهادات أكاديمية بالمعنى المعروف اليوم. فالشهادات الجامعية الحديثة لم تكن موجودة أصلًا في كثير من العصور السابقة، ومع ذلك قدّم هؤلاء العلماء أعظم الاكتشافات والإنجازات التي استفادت منها البشرية حتى عصرنا الحاضر.

لقد أبدع علماء المسلمين الأوائل في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلك والطب والاجتماع، وأسّسوا قواعد علمية ما زال العالم يعتمد عليها إلى اليوم. فقد وضع محمد بن موسى الخوارزمي أسس علم الجبر والخوارزميات التي أصبحت حجر الأساس لعلوم الحاسب الحديثة، بينما أحدث الحسن بن الهيثم ثورة علمية في البصريات، واعتمد على التجربة والملاحظة في زمن كانت فيه العلوم تقوم على الفرضيات فقط.

كما برع أبو الريحان البيروني في قياس محيط الأرض والكثافة النوعية بدقة مدهشة، وقدم عمر الخيام حلولًا متقدمة للمعادلات التكعيبية، بينما وضع جابر بن حيان أسس الكيمياء الحديثة عبر التجارب المعملية الدقيقة، وسبق عبد الرحمن بن خلدون علماء الغرب بقرون عندما أسس علم الاجتماع وفلسفة التاريخ في مقدمته الشهيرة.

ولم يتوقف الأمر عند علماء المسلمين فقط، فالتاريخ مليء بأمثلة تؤكد أن العبقرية لا ترتبط دائمًا بالشهادات. فالمخترع الأمريكي توماس إديسون، صاحب اختراع المصباح الكهربائي، لم يكمل تعليمه النظامي، ومع ذلك امتلك أكثر من ألف براءة اختراع. كما أن ستيف جوبز ترك الجامعة مبكرًا، لكنه استطاع أن يؤسس واحدة من أعظم شركات التقنية في العالم. وكذلك بيل غيتس الذي غادر جامعة هارفارد ليتفرغ لمشروعه التقني، فأصبح من أبرز رواد التكنولوجيا في العصر الحديث.

وهذا لا يعني التقليل من أهمية التعليم والشهادات العلمية، فهي تبقى وسيلة مهمة لتنظيم المعرفة، وإثبات التخصص، وفتح الأبواب المهنية والبحثية. لكن المشكلة تكمن حين يختزل البعض قيمة الإنسان في مجرد لقب أكاديمي أو ورقة معلقة على الجدار، متناسين أن الشهادة وحدها لا تصنع مبدعًا، ولا تبني حضارة، ولا تحقق إنجازًا.

فكم من شخص يحمل أعلى الشهادات لكنه لم يقدم أثرًا حقيقيًا، وكم من إنسان بسيط علّم نفسه بنفسه، فغيّر العالم بفكرته أو اختراعه أو علمه. ولذلك قيل قديمًا: “العلم في الرأس… لا في الكراس”.

إن الشغف بالمعرفة، والقدرة على التفكير، والإصرار على التعلم المستمر، هي العناصر التي تصنع العقول العظيمة، أما الشهادة فهي مجرد وسيلة، وليست الغاية النهائية. فالعقل المبدع يبقى دائمًا أكبر من أي ورقة، وأعمق من أي لقب أكاديمي.

كاتب رأي

 

الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.