كُتاب الرأي

أي سلام هذا… والعالم يشاهد النار؟

أي سلام هذا… والعالم يشاهد النار؟

رؤية تحليلية .

الإثنين الموافق ( 21 ) سبتمبر ( 2026 )م .

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

( لا معنى لسلام تتساوى فيه دموع الضحايا أمام الكاميرات، ثم لا تتساوى دماؤهم أمام القانون . )

يوافق الحادي والعشرون من سبتمبر من كل عام اليوم العالمي للسلام، وهي مناسبة أقرتها الأمم المتحدة لتعزيز قيم السلام ووقف الأعمال العدائية ونبذ العنف. لكنها تحل هذا العام والعالم أمام مفارقة موجعة؛ يتحدث عن السلام، بينما تتسع الحروب، ويقتل المدنيون، وتهجر الشعوب، وتظل قرارات دولية كثيرة عاجزة عن إيقاف النار.

فأي سلام هذا والعالم يشاهد النار ثم يكتفي بعد ضحاياها؟

في فلسطين تتجسد واحدة من أقسى صور هذه المفارقة. فقد طالب مجلس الأمن في القرار ( 2728 ) لعام ( 2024 ) بوقف فوري لإطلاق النار خلال شهر رمضان وصولا إلى وقف مستدام، ثم جاء القرار ( 2735 ) لعام ( 2024 ) مرحبا بمقترح لوقف إطلاق النار على ثلاث مراحل، يتضمن عودة المدنيين، وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق المأهولة، وتوسيع المساعدات الإنسانية.

وقبل ذلك أكد القرار ( 2334 ) لعام ( 2016 ) أن المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام ( 1967 )، بما فيها القدس الشرقية، ليس لها شرعية قانونية، وطالب بوقف الأنشطة الاستيطانية.

ومع ذلك ظل الشعب الفلسطيني الأعزل يدفع من دمه وبيته وأمن أطفاله ثمن حرب مدمرة ونزوح واسع وخراب هائل. ووصلت خطورة القضية إلى محكمة العدل الدولية، التي أصدرت تدابير مؤقتة ملزمة في الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، ثم عززتها بتدابير إضافية، دون أن يعني ذلك صدور حكم نهائي حتى الآن بثبوت الإبادة قانونا.

فكم قرارا يحتاج الطفل الفلسطيني حتى يصبح حقه في الحياة واجب الحماية، لا موضوعا لجلسة أخرى؟

ولا تكتمل صورة اضطراب السلام في منطقتنا من دون مواجهة مسؤولية النظام الإيراني عن مشروع إقليمي اعتمد على الأذرع والجماعات المسلحة، وحول دولا عربية إلى ساحات نفوذ وصراع وحروب بالوكالة.

وفي اليمن تمثل عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة نموذجا صارخا لهذا العبث؛ انقلاب وحرب وصواريخ ومسيرات وتهديد للممرات البحرية وهجمات عابرة للحدود، بينما يدفع اليمنيون أنفسهم الثمن الأكبر.

وهنا ينكشف التناقض بلا مواربة.

فلا يستطيع النظام الإيراني أن يتخذ من مأساة فلسطين غطاء أخلاقيا لمشروع نفوذ إقليمي دفعت شعوب عربية من أمنها وسيادتها واستقرارها أثمانا باهظة له، كما لا تستطيع الحكومة الإسرائيلية أن تجعل أمن إسرائيل مبررا مفتوحا لإهدار حياة المدني الفلسطيني وحقوقه أو تجاوز قواعد القانون الدولي.

لا قداسة لسلاح يقتل بريئا، ولا حصانة لقرار يهدم بيتا فوق ساكنيه، ولا قيمة لشعار سلام لا يحمي الإنسان.

والمشكلة ليست نقص القرارات؛ فقد صدرت القرارات، وانعقد مجلس الأمن، وتحركت الأمم المتحدة والمحاكم الدولية. المشكلة هي إرادة التنفيذ وعدالة التطبيق. فإذا اختلف تطبيق القانون باختلاف هوية الدولة أو الحليف أو الضحية، فقد القانون هيبته، وأصبحت ازدواجية المعايير نفسها تهديدا للسلام.

وفي اليوم العالمي للسلام يجب أن تقال الحقيقة: كفى حروبا بالوكالة، وكفى قتلا وتشريدا، وكفى تحويل الشعوب إلى وقود لمشروعات الهيمنة، وكفى قرارات دولية لا تجد طريقها من قاعات الاجتماعات إلى أرض الواقع.

السلام ليس حمامة تحمل غصن زيتون في الحادي والعشرين من سبتمبر، ثم تعود المدافع في الثاني والعشرين منه إلى الكلام.

السلام عدالة تصان، وكرامة لا تهدر، وسيادة تحترم، وقانون يسري على الجميع.

( السلام ليس غياب الحرب، بل فضيلة تنبع من قوة الروح . )

أما حين تصبح العدالة انتقائية، والقانون رهينة لموازين القوة، فإن العالم لا يصنع السلام… بل يمنح الحرب القادمة مزيدا من الوقت كي تستعد.

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.