كُتاب الرأي

*هل ستعود الحرب؟*

*هل ستعود الحرب؟*

*رؤية تحليلية*

تراجعت الحرب الأمريكية – الإيرانية عن صدارة العناوين العاجلة، لكنها لم تغادر حسابات الجيوش ولا أروقة مراكز الدراسات والبحوث الاستراتيجية وغرف التخطيط العسكري في أنحاء العالم .

فالهدوء الذي يسود المنطقة اليوم لا يعني أن أسباب الصراع غادرت المشهد، كما أن التفاهمات الأخيرة لا تعني بالضرورة أن الشرق الأوسط أصبح أقرب إلى سلام مستدام. ولهذا لم تعد الأسئلة المطروحة داخل مراكز الدراسات والبحوث الاستراتيجية الدولية تتركز على كيفية توقف الحرب، بل على طبيعة الواقع الذي بدأ يتشكل بعدها.

لقد أثبتت المواجهة أن القوة العسكرية تستطيع فرض وقائع ميدانية جديدة، لكنها لا تستطيع وحدها بناء استقرار دائم. فالعمليات العسكرية قد تنجح في تغيير بعض المعادلات الميدانية، لكنها لا تعالج بالضرورة جذور الخلافات السياسية والاستراتيجية التي تراكمت عبر عقود طويلة.

كما كشفت الحرب حدود توظيف النفوذ الإقليمي والتنظيمات الإرهابية المسلحة العابرة للحدود بوصفها وسائل لتحقيق المكاسب السياسية والاستراتيجية، وأظهرت أن كلفة هذا النهج أصبحت أعلى من أي وقت مضى سياسيا واقتصاديا وأمنيا. كما بينت أن البيئة الإقليمية والدولية تشهد تحولات متسارعة تفرض معادلات مختلفة عن تلك التي سادت خلال العقود الماضية.

ولم تعد القضية اليوم مرتبطة بمن أطلق الصاروخ الأخير أو من حقق المكسب التكتيكي الأكبر، بل بمن يمتلك القدرة على التأثير في شكل الترتيبات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي ستنشأ بعد انتهاء القتال. فالحروب الحديثة لا يربحها دائما من يطلق النار أكثر، بل من ينجح في صياغة البيئة الاستراتيجية التي تليها.

ومن هنا يبدو أن المنطقة انتقلت من المواجهة العسكرية المباشرة إلى تنافس أكثر تعقيدا على رسم ملامح النظام الإقليمي القادم. وهو صراع أكثر هدوءا من الحرب، لكنه قد يكون أعمق أثرا وأطول زمنا، لأن أدواته تمتد من السياسة والاقتصاد والطاقة إلى التحالفات الدولية وموازين النفوذ الجديدة.

كما أعادت الحرب الأمريكية – الإيرانية الراهنة التأكيد على أن أمن الخليج العربي لم يعد شأنا وطنيا منفصلا لكل دولة على حدة، بل أصبح منظومة استراتيجية مترابطة تتطلب مستويات أعلى من التنسيق والتكامل. فالتحديات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية التي كشفتها الحرب أظهرت أهمية تطوير موقف خليجي أكثر تماسكا، وتعزيز القدرات الجماعية، وتوحيد الرؤى تجاه القضايا الاستراتيجية الكبرى، بما يرفع من قدرة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية على حماية مصالحها وصيانة استقرارها في بيئة إقليمية سريعة التحول.

كما كشفت الحرب أن أمن الطاقة العالمي لا يرتبط فقط بحماية الممرات البحرية القائمة، بل يتطلب أيضا توسيع البدائل الاستراتيجية القادرة على ضمان استمرارية التدفقات التجارية في مختلف الظروف. فكلما تعددت مسارات التصدير وخطوط الأنابيب والموانئ والممرات اللوجستية البديلة، ارتفعت مرونة الاقتصادات الخليجية وقدرتها على مواجهة الأزمات. وقد يكون من أبرز النتائج الاستراتيجية لهذه الحرب تسريع مشاريع الربط الإقليمي والبدائل الداعمة لحركة الطاقة والتجارة العالمية، بما يقلل من تأثير أي اضطرابات محتملة في نقاط الاختناق البحرية الحساسة، وفي مقدمتها مضيق هرمز. فالجغرافيا قد تفرض القيود، لكن التخطيط الاستراتيجي الرشيد يحول التحديات إلى بدائل ويمنح الدول مساحة أوسع للمبادرة وحرية القرار.

وما زالت ملفات البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ بعيدة المدى، وأمن الملاحة البحرية، والعقوبات الاقتصادية، والتنظيمات الإرهابية المسلحة العابرة للحدود المرتبطة بالنظام الإيراني تمثل عناصر ضغط قابلة لإعادة إنتاج التوتر إذا تعثرت التفاهمات أو اختلت حسابات الردع.

ورغم أن احتمالات العودة إلى مواجهة واسعة النطاق تبدو محدودة في المدى المنظور، فإن بقاء الملفات الخلافية دون تسوية نهائية يجعل احتمالات التصعيد قائمة. فالأزمات الكبرى قد تهدأ لسنوات، لكنها نادرا ما تختفي ما دامت أسبابها الجوهرية ما زالت حاضرة.

【*أخطر ما خلفته الحرب ليس حجم الدمار، بل حجم الشكوك التي زرعتها في مستقبل التوازنات الإقليمية.*】

لذلك يبدو السيناريو الأكثر ترجيحا خلال الأعوام القليلة المقبلة هو استمرار الردع المتبادل والتنافس السياسي والاقتصادي والأمني، مع بقاء احتمالات التصعيد المحدود قائمة كلما تغيرت حسابات الكلفة والعائد أو ظهرت متغيرات جديدة تؤثر في توازنات المنطقة.

*ويبقى السؤال الحقيقي:*

*هل انتهت الحرب؟*

*أم أن المنطقة دخلت فصلا جديدا من الصراع على شكل المستقبل؟*

【*الحروب قد تتوقف عندما يصمت السلاح، لكن التاريخ لا يطوي صفحاتها إلا بعد أن تستقر نتائجها.*】

كتبه:
اللواء البحري الركن م.
عبدالله بن سعيد الغامدي

*الجمعة ( 19 ) يونيو 2026م .*

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.