ميلا بعد صالح… حين يعجز القلب عن النسيان

ميلا بعد صالح… حين يعجز القلب عن النسيان
لم أكن أظن أن الحزن يمكن أن يسكن عيني طفلة بهذا الصغر، وأن الشوق قد يجعلها ترفع رأسها إلى السماء، تبحث بين النجوم عن شخص غاب ولن يعود.
أراقب ميلا وهي تنظر إلى السماء بعينيها البريئتين، وكأنها تبحث عن صالح، وكأنها تؤمن أن النجوم تستطيع أن تعيده إليها. تتأمل طويلًا، ثم تخاطب نجمةً بعيدة، ببراءة لا تعرف قسوة الفقد:
يا نجمة السماء، أعيدي لي صالح.
أراها تسرح في خيالها، وتغرق في تأملاتها الصغيرة، ثم تنزل من عينيها دموع تحاول إخفاءها. تظن أنني لا أراها، أو لعلها لا تعرف كيف تخبرني بما يؤلم قلبها. لكن دموعها تفضح ذلك الحزن الذي تحاول أن تخبئه خلف صمتها.
تصمت أيامًا، فأظن أنها انشغلت باللعب، وأن ضحكاتها ستأخذها بعيدًا عن ألم الغياب. أقول في نفسي: إنها طفلة، ستتسلى وتنسى، وستعود إلى أيامها كما كانت.
لكنني، وأنا أمها، اكتشفت أنني كنت أرى ظاهرها، ولم أكن أعرف كل ما يدور في داخلها.
فجأة، وبعد أيام من الصمت، تنفجر بالبكاء، وكأنها كانت تجمع حزنها يومًا بعد يوم، حتى لم يعد قلبها الصغير قادرًا على احتماله.
تردد: «أبي صالح… أبي صالح!»
وفي تلك اللحظة، لا أملك إلا أن أنظر إليها بقلب أمٍّ تتمنى لو تستطيع أن تمسح عنها هذا الوجع، لو تستطيع أن تشرح لها لماذا يغيب الأحبة، ولماذا لا نستطيع إعادتهم مهما اشتقنا إليهم.
يا صالح، ماذا فعلت بقلب ميلا؟!
ظننتها تتسلى وتنسى، لكنها بعدك متعبة. لم أكن أعلم أن غيابك سيترك في روحها كل هذا الشوق، وأنها ستبحث عنك في السماء، وأن صمتها الذي حسبته نسيانًا كان يخفي حزنًا لم تستطع التعبير عنه.
كيف أشرح لطفلة أن من تحبه لن يعود كما كان؟ وكيف أخبرها أن بعض الأمنيات، مهما صدقت براءتها، لا تتحقق في هذه الحياة؟ وكيف أواسي قلبها، وأنا نفسي أفتقدك، وأعرف أن للغياب وجعًا لا تفي الكلمات بشرحه؟
كل ما أستطيع فعله أن أحتضنها، وأن أترك لها مساحة لتبكي، وأن أطمئنها بأن حبها لصالح سيبقى ذكرى جميلة في قلبها، وأن اشتياقها إليه ليس ضعفًا، وأن من حقها أن تحزن، حتى لو لم تفهم كل تفاصيل الرحيل.
لقد علّمتني ميلا أن الأطفال لا ينسون بالضرورة لأنهم يضحكون، وأن اللعب لا يعني دائمًا أن الحزن انتهى، وأن خلف بعض العيون البريئة حكاياتٍ لا يعرف الكبار كيف يقرؤونها.
يا صالح، رحلتَ وتركتَ في قلب طفلتك شوقًا أكبر من عمرها.
وستكبر ميلا، وستتغير الأيام، لكنني سأحاول أن أحفظ لها ذكراك، وأن أحدثها عنك بمحبة، وأن أجعل حضورك في حكاياتنا بابًا للدفء، لا بابًا للألم وحده.
رحمك الله يا صالح، وجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، وربط على قلوبنا، وحفظ لي ميلا، وجبر قلبها الصغير جبرًا يليق برحمته.
فبعض الغياب لا نستطيع تغييره، لكننا نستطيع أن نحيط من نحبهم بمزيد من الحنان، حتى لا يواجهوا الحزن وحدهم.
هيا الكريديس
