شرعية المشردين

شرعية المشردين
حين تصبح الحكومة خصمًا للشعب لا ممثلًا له
لم يعد المواطن اليوم بحاجة إلى تقارير دولية أو تحليلات سياسية معقدة ليفهم حجم الكارثة التي يعيشها، فواقعه اليومي وحده كافٍ ليفضح فشل ما يسمى بـ”الشرعية”، تلك السلطة التي تحولت مع الوقت من مشروع يفترض أنه لإنقاذ الناس إلى عبء ثقيل فوق صدورهم.
فالشعب الذي يعيش منذ سنوات بين ظلام الكهرباء، وانهيار العملة، وارتفاع الأسعار، وانقطاع الرواتب، وانعدام الخدمات، يرى اليوم مشهدًا مستفزًا يتكرر باستمرار:
أموال تصرف بسخاء للمكافآت والاستعراضات الإعلامية، بينما أبسط حقوق الناس الأساسية تُترك للموت البطيء.
لا أحد يعترض على تكريم المنتخب أو دعم أي إنجاز رياضي، فهذا أمر طبيعي، لكن السؤال الذي يحرق قلوب الملايين:
كيف تظهر الأموال فجأة عندما يتعلق الأمر بالصورة الإعلامية والمكافآت، بينما تختفي تمامًا عندما يتعلق الأمر بالكهرباء والمياه والصحة والتعليم والطرق ورواتب الناس؟
أي منطق هذا؟
وأي سلطة هذه التي تتعامل مع المال العام وكأنه ملكية خاصة توزعها وفق المزاج السياسي والإعلامي، بينما الشعب يغرق يومًا بعد يوم في الجوع والفقر والانهيار؟
لقد تحولت “شرعية المشردين” إلى نموذج صارخ للفشل السياسي والإداري، سلطة بلا مشروع، وحكومة بلا حضور حقيقي، ومسؤولون يتنقلون بين الفنادق والعواصم بينما المواطن يبحث عن ساعات تشغيل كهرباء أو قيمة رغيف خبز.
الأخطر من ذلك أن هذه السلطة لم تعد تبدو منفصلة فقط عن معاناة الناس، بل وكأنها تعمل ضد إرادتهم الحقيقية. فكلما طالب الشعب بحلول حقيقية، جاءت الجرعات الاقتصادية، والانهيارات النقدية، والفساد، والمحاصصات، وكأن المطلوب هو إنهاك الناس أكثر لا إنقاذهم.
واليوم يقف المجتمع الدولي متفرجًا على هذا المشهد الكارثي رغم أن البلاد تخضع فعليًا لوصاية دولية وقرارات أممية منذ سنوات طويلة.
وهنا يبرز السؤال الأخطر:
ما فائدة الوصاية الدولية إذا كان الشعب يُترك للجوع والانهيار والفساد؟
وما معنى القرارات الدولية إذا كانت لا تحمي الإنسان البسيط من هذا العبث؟
فالعالم يشاهد كل شيء:
يشاهد ثروات تُنهب…
وعملة تنهار…
وخدمات تتبخر…
وشعبًا يُسحق يوميًا…
ثم يكتفي بالبيانات الباردة والاجتماعات الدبلوماسية وكأن ما يحدث مجرد أرقام في تقارير سياسية.
لقد وصل المواطن إلى مرحلة لم يعد يريد فيها خطابات ولا وعودًا ولا استعراضات إعلامية، بل يريد أن يرى أثر ثروات بلاده على حياته، ويريد دولة تحترم إنسانيته بدل تحويله إلى ضحية دائمة للفشل والفساد.
إن الشعوب لا تُقاس بكمية التصريحات ولا بحجم المكافآت الموسمية، بل بقدرة الدولة على حماية كرامة الإنسان وتحقيق الحد الأدنى من العدالة والخدمات والاستقرار.
أما أن يبقى الشعب غارقًا في الأزمات بينما تتوسع دوائر الامتيازات والمصالح والنفوذ، فهذا لم يعد مجرد فشل…
بل أصبح استخفافًا علنيًا بمعاناة الناس وإرادتهم.
ويبقى السؤال الذي يطارِد الجميع:
أين تذهب ثروات البلاد؟
ومن المستفيد الحقيقي من استمرار هذا الانهيار؟

