حكمة الخليج في زمن العواصف

حكمة الخليج في زمن العواصف
أحمد يحيي البارقي
الحكمة في المواقف الصعبة هي بالاتزان لا بالاندفاع وبحسن التقدير لا بردود الأفعال فالدول الراسخة لا تنجر وراء الاستفزازات أو الضغوط العابرة بل تزن قراراتها بميزان المصلحة الوطنية ومن هذا المنطلق جاء الموقف الخليجي من التطورات الإقليمية الأخيرة نموذجاً للنضج السياسي الذي قدم الاستقرار والأمن على الانفعال والتصعيد.
لقد راهنت أطراف عديدة على أن دول الخليج ستستدرج إلى قلب المواجهة وأن حالة التوتر التي تشهدها المنطقة ستدفعها إلى الانخراط في صراعات عسكرية تتجاوز حدود مصالحها الوطنية غير أن هذه الرهانات اصطدمت بواقع سياسي جديد تشكل خلال السنوات الأخيرة قوامه أن أمن الخليج واستقراره وتنميته ليست أوراقاً قابلة للمغامرة أو المساومة بل ثوابت استراتيجية لا يمكن التفريط بها.
ولم تقتصر محاولات الاستفزاز على الأطراف المنخرطة في الصراع بل امتدت إلى فضاءات الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي حيث نشطت حسابات وتيارات أيديولوجية متعددة في محاولة لتصوير الحياد المسؤول والدعوة إلى التهدئة على انه ضعف كما سعت بعض الأصوات المحسوبة على تيارات سياسية وأيديولوجية معينة إلى ممارسة ضغوط إعلامية ومعنوية .
إلا أن هذه الحملات اصطدمت بوعي سياسي متنامٍ لدى المجتمعات الخليجية وبإدراك راسخ لدى صناع القرار بأن الدول لا تدار بالشعارات ولا بالعواطف العابرة وإنما بالمصالح الوطنية والحسابات الاستراتيجية الدقيقة فالمسؤولية الوطنية تقتضي النظر إلى مآلات القرارات ونتائجها لا الانسياق وراء ردود الأفعال أو الضغوط الإعلامية المؤقتة.
ومن هنا جاء الخيار الخليجي بالتركيز على التنمية والبناء وتعزيز الاستقرار باعتباره الخيار الأكثر انسجاماً مع مصالح الشعوب وتطلعات الأجيال القادمة فدول الخليج أدركت أن المحافظة على مكتسباتها التنموية ومسيرة نهضتها الاقتصادية تمثل أولوية وطنية لا تقل أهمية عن أي اعتبار آخر.
كما أن هذا الموقف لم يكن نابعاً من ضعف أو تردد بل من ثقة بالنفس ورؤية استراتيجية واضحة فدول الخليج تمتلك من عناصر القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية ما يمكنها من حماية أمنها ومصالحها لكنها تدرك في الوقت ذاته أن القوة الحقيقية لا تكمن في الانجرار إلى كل صراع وإنما في القدرة على تجنب الصراعات غير الضرورية والحفاظ على الاستقرار وسط بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
لقد أدركت دول الخليج أن مصالحها الوطنية لا يمكن التضحية بها لصالح حسابات أيديولوجية أو أجندات عابرة للحدود وأن مسؤوليتها الأولى تظل حماية أوطانها وصون أمنها واستقرارها ولذلك فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد موقف سياسي عابر بل تعبير عن مرحلة جديدة من النضج الخليجي تدار فيها السياسات وفق منطق الدولة ومصالحها العليا لا وفق ضغوط الجماعات أو حملات التعبئة الإلكترونية.
لقد نجحت دول الخليج في تفويت الفرصة على كل محاولات الاستفزاز والاستدراج وقدمت نموذجاً في التعقل والمسؤولية السياسية مؤكدة أن بناء الأوطان وترسيخ الاستقرار وتحقيق التنمية هي الأولويات التي تستحق أن تُحشد لها الجهود وأن الحكمة في أزمنة العواصف تبقى دائماً الخيار الأكثر قوة.
كاتب رأي
نسأل الله أن يحفظنا من الحروب والفتن موفق أبو يحيى