مبادرة “نحن طويق” الضمير الوطني

مبادرة “نحن طويق” الضمير الوطني
سهام حسين القحطاني
من قال أن الكلمات ستظل ” مجرد كلمات مهما عظمت ألفاظها ودلالاتها”؟! وهذا غير صحيح، فبعض الكلام تأثيره أقوى من السلاح، وفي القرآن الكريم تجلت قوة وتأثير الكلمة في قوله تعالى ” ألم تر كيف ضرب الله كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها”-أية 24،25-إبراهيم-.
والكلمة الطيبة التي تحمل دلالات الحق والخير، هي بذور طيبة كلما رويت بماء الصدق و الإخلاص، أثمرت محبة وخيرًا و سلامًا، فلا ينبغي أن نستهين بالكلمة الصادقة، فهي مصدر “كل وعي” وسيلة كل “معرفة” و أساس كل حضارة فكرية.
وفي الحديث الشريف ” إن من البيان لسحرًا” يؤكد هذا القول الشريف على تأثير الكلمة، خاصة إذا تجلت في أسلوب تزينه البلاغة والفصاحة، وفي زمننا هذا تدعمه الصورة والألوان، ووسائط الموسيقى.
إن الكلمات التي ترفرف بجناحي البلاغة والفصاحة هي البيان الساحر الذي تطمئن به القلوب عندما تحيطها المخاطر، وتوثق به عُرى الأفئدة عندما تتربص بها النوائب.
ولنا في شعر الفخر العربي خير مثال على أهمية الكلمة في تعزيز الولاء وتوثيق عرى الانتماء
يقول عمرو بن كلثوم
ألا لا يجهلن أحد علينا**فنجهل فوق جهل الجاهلينا.
ملأنا البحر حتى ضاق عنّا**وماء البحر نملأه سفينا
فمثل هذه الكلمات تؤسس عزائم الشعوب، تلك العزائم التي تتحدى أهوال طوارق الليل و النهار، فالأخطار خير كاشف لقوة الشعوب.
وحتى بعد دخول العرب الإسلام ظل الولاء للقبيلة داعمًا للهوية الإسلامية، فلا تعارض بين الهوية القبلية و الهوية الدينية.
ولعل قصة النابغة الجعدي مع الرسول الكريم عندما بدأ مطلع قصيدته:
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا **وإن لنرجو فوق ذلك مظهرًا
فقال له الرسول الكريم:” إلى أين يا أبا ليل قال: “الجنة” ،فرد عليه الرسول الكريم: “أجل إن شاء الله”.
ثم قال النابغة الجدي:
لا خير في حٍلم إذا لم تكن له**بوادر تحمي صفوه أن يُكّدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له**حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فرد عليه الرسول الكريم: ” لا يفضض الله فاك” مرتين.
ويمكن استخلاص فائدتين من قصة إنشاد النابغة الجعدي قصيدته أمام الرسول الكريم؛
أولهما: تفهم الرسول الكريم لمشاعر الانتماء القبلي للنابغة الجعدي، ولم يحسبها رجعية عن الهوية الدينية، كما هو الحال مع التعصب القبلي، بل أن في موقفه إشارة إلى التكامل بين الهوية القبلية والهوية الدينية، فلم يعدّها مؤشرا للعودة إلى التعصب القبلي، وهو ما يفرق لنا بين الانتماء الوطني والتعصب الوطني.
فالانتماء يجمع بين محبة الفرد لوطنه والتعايش السلمي مع الآخر في آنٍ واحد، أما التعصب الوطني فهو رفض للأخر المختلف، ونبذه.
وهذا مؤشر إلى أن الهوية الدينية لا تفصل المرء عن هويته وخصوصيته الوطنية بل تدعمهما و تتكامل معهما.
وثانيهما: أدرك النابغة الجعدي أهمية الكلمة في تحويلها من نطاقها الوجداني إلى نطاق ارشادي، ومن فاعليتها الانفعالية إلى فاعلية سلوكية حضارية.
ولذا كان الشاعر والخطيب هما درعا الحماية الفكرية للقبائل في السلم وفي الحرب،.
وسيظل صاحب الكلمة الصادق والمحب لوطنه والمخلص له هو ضمير الوطن ومرشد المجتمع ومؤسس الوعي.
إن الكلمات التي تنبع من العقول الواعية، والقلوب المخلصة، هي دروع حماية وقت المخاطر، ومحفزات للمعرفة في الّسلم.
وهنا تأتي أهمية مبادرة “نحن طويق” لتمثل الضمير الوطني، وتطلق العنان للمواهب في كافة المجالات، لتعبر عن الانتماء والولاء الوطني بكلمات “ليس مجرد كلمات”، بل كلمات تبض بحب هذا الوطن العظيم، وتزهو بتاريخه المجيد، ومنجزات نهضته التي تسطع كشمس حضارة.
إن الكلمات الصادقة هي أجنحة حماية تحيط بخارطة وطننا العظيم، وتصونه من كل شر، ليظل مستقرا في سويداء قلب لا يتوقف نبضه أبدّا.
إن الكلمات المتجذرة في الانتماء والولاء هي قوتنا الناعمة التي تتحدى كل كيد واعتداء، وتؤكد للعالم، أن السعوديين لا يهابون المعارك والمخاطر، نفوسهم وأرواحهم وكلماتهم تحمي الأرض والدين.