كُتاب الرأي

*عودة الجغرافيا*

*عودة الجغرافيا*

*رؤية تحليلية*

لم تكشف أزمة هرمز أهمية مضيق بحري فحسب، بل كشفت عودة الجغرافيا إلى قلب السياسة الدولية.

بعد أكثر من مائة يوم من المواجهة الأمريكية – الإيرانية الراهنة، لم تعد الأسئلة الأكثر أهمية تتعلق بحجم الضربات أو عدد الصواريخ أو طبيعة الردود المتبادلة. فهذه تفاصيل تهم المؤرخين والعسكريين، أما ما يشغل مراكز الدراسات والبحوث الاستراتيجية الدولية اليوم فهو السؤال الأعمق: ماذا كشفت هذه الأزمة عن العالم الذي يتشكل أمامنا؟

فعلى مدى عقود طويلة ساد إعتقاد لدى كثير من الساسة والمفكرين بأن الثورة التقنية والعولمة والاقتصاد الرقمي قادرة على تقليص أثر الجغرافيا في صناعة القرار الدولي. غير أن الأزمات الكبرى جاءت بنتيجة مختلفة تماما. فقد أعادت الحرب في أوكرانيا أهمية الحدود والممرات البرية، وأعادت المنافسة في بحر الصين أهمية الممرات البحرية، ثم جاءت أزمة هرمز لتذكر العالم بأن الجغرافيا ما زالت تمسك بمفاتيح الطاقة والتجارة والإستقرار الدولي.

【*من أوكرانيا إلى بحر الصين ثم إلى هرمز… كانت الجغرافيا تعلن عودتها إلى مركز المشهد الدولي من جديد*】.

فخلال أسابيع قليلة عادت الممرات البحرية إلى صدارة النقاشات الدولية، وعادت معها أسئلة الطاقة وسلاسل الإمداد والتأمين البحري وحركة التجارة العالمية. ولم يكن ذلك بسبب المضيق ذاته، بل لأن الجغرافيا قررت أن تذكر الجميع بأنها ما زالت حاضرة في قلب المعادلة الدولية.

وحين تتجاهل السياسات حقائق الجغرافيا لفترات طويلة، ترتفع كلفة التصحيح لاحقا. وهذا ما تكشفه تجربة النفوذ الإقليمي المرتبط بالنظام الإيراني. فقد أنتجت سياسات توسيع النفوذ ودعم التنظيمات الإرهابية المسلحة العابرة للحدود المرتبطة به نفوذا إتسع جغرافيا، لكنها رفعت في الوقت نفسه كلفة المخاطر الاستراتيجية والاقتصادية على المنطقة والدولة الراعية له.

【*ما بدا نفوذا في زمن التوسع قد يتحول إلى عبء في زمن الحسابات الاستراتيجية*】.

كما كشفت الأزمة أن مفهوم الردع نفسه يتغير . فالقوة العسكرية ما زالت ضرورة لا غنى عنها، لكنها لم تعد تكفي وحدها. إذ أصبحت القدرة على حماية الطاقة وتأمين الممرات البحرية والمحافظة على الاستقرار الاقتصادي جزءا أساسيا من مفهوم القوة الشاملة للدول.

ومن هنا برز الدور الخليجي بصورة أكثر وضوحا. فبينما أنشغل كثيرون بمتابعة الصواريخ والمسيرات، كانت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي تعمل على حماية المصالح الاستراتيجية المرتبطة بالطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. وقد أثبتت الأحداث أن أمن الخليج العربي لم يعد قضية تخص دوله وحدها، بل أصبح جزءا من منظومة الأمن الاقتصادي الدولي.

*أما النتيجة الأهم فهي أن المنطقة لا تعود إلى ما كانت عليه قبل الأزمة. فالتوازنات يعاد تشكيلها، والتحالفات تعاد مراجعتها، وأولويات الأمن والاستثمار والطاقة تتحرك في اتجاهات جديدة. وقد يستغرق ظهور النتائج الكاملة سنوات، لكن مسار التحول بدأ بالفعل .*

【*العالم لا يعود إلى الحرب الباردة… بل يعود إلى الجغرافيا*】.

*فالجغرافيا لم تختف يوما، لكنها كانت تنتظر أزمة كبرى لتذكر الجميع بأن الخرائط ما زالت أقوى من كثير من النظريات، وأن من يفهم الجغرافيا مبكرا يفهم المستقبل قبل غيره.*

【*قد تؤجل السياسة أحكام الجغرافيا زمنا… لكنها لا تستطيع إلغاءها.*】

كتبه:

اللواء البحري الركن / م .
عبد الله بن سعيد الغامدي

*الاثنين( 22 ) يونيو 2026 .*

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

تعليق واحد

  1. لا فض فوك أخي الغالي سعادةً اللواء عبدالله كثر الله من امثالك
    اخوك العقيد الفني البحري متقاعد
    سعد عبدالله العمري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.