من جدار أثري إلى مزار

من جدار أثري إلى مزار
محمد الفريدي
ليست المشكلة في أن يؤدي الإنسان صلاته أينما كان، فحرية العبادة حقّ لا يُجادل فيه أحد، ولم يكن تاريخ المجتمعات العربية والإسلامية يوما قائما على مطاردة أصحاب الديانات المختلفة أو منعهم من ممارسة شعائرهم الدينية.
وقد عرفت هذه الأرض عبر قرون طويلة صورا من التعايش لم تعرفها كثير من الدول الغربية التي تتحدث اليوم باسم حرية الأديان وحقوق الإنسان.
لكن مشكلتنا الحقيقية في تحويل أماكننا التاريخية إلى أدوات سياسية، واستغلالها وتشويهها لإرسال رسائل تتجاوز حدود العبادات إلى صناعة روايات جديدة، وفرض دلالات لم تكن موجودة من قبل.
ولهذا أثار وقوف مجموعة من اليهود للصلاة أمام سور أثري في مراكش لا علاقة لهم به ردود فعل قوية، ومشاعر غضب لدى المراكشيين، باعتبار أن المسألة تجاوزت صورة الصلاة ذاتها إلى ما تحمله من إيحاءات ورموز وتواقيت مقصودة، وما يرافقها من رسائل تتصل بالمكان والذاكرة والهوية.
فالأماكن ليست دائما ذات دلالات دينية، والمواقع ليست منفصلة عن سياقها السياسي والتاريخي، خصوصا في زمن أصبحت فيه المعارك الكبرى تُخاض عبر الصورة والإيحاء وإعادة تشكيل الوعي.
والمتابع لما جرى في القدس منذ عقود يدرك جيدا كيف تحولت بعض المواقع الإسلامية الأثرية مع الوقت إلى رموز سياسية ودينية، تم تثبيتها تدريجيا في الوعي العالمي، حتى أصبحت وكأنها حقائق تاريخية لا تقبل النقاش.
وحائط البراق مثال واضح على ذلك؛ فهو عند المسلمين جزء من تاريخ المسجد الأقصى، لكنه مع مرور الزمن، ونتيجة التكرار الإعلامي والسياسي والديني، جرى تقديمه من اليهود للعالم بوصفه (حائط المبكى)، حتى غابت الرواية الأصلية عند كثير من الناس، وحتى عند بعض المسلمين للأسف.
ومن هنا كانت حساسيتنا تجاه أي محاولة لصناعة مواقع مشابهة في مدننا وقرانا، لأن المسألة ليست مجرد دقائق من الصلاة، وإنما خوف من تحويل أماكننا التاريخية والأثرية بالتدريج إلى أبعاد جديدة تخدم المشاريع الصهيونية.
فنحن لا ننظر فقط إلى ما يحدث الآن، وإنما إلى ما يمكن أن يتحول إليه الأمر لاحقا إذا ترك دون رفض أو اكتراث
ولهذا فإننا نؤكد على أهمية حماية أماكننا التاريخية والأثرية من أي توظيف سياسي أو أيديولوجي أو عقائدي، بما يحفظ هويتها التاريخية ويحول دون تكرار محاولات مماثلة في دول أخرى.
ونلفت الانتباه إلى أهمية التعامل بحذر مع هذا النوع من الممارسات، حتى لا تصبح بعض مواقعنا التراثية، مع مرور الوقت، عرضة لتفسيرات أو روايات دينية وتاريخية قد تؤثر في هويتها الأصلية، كما حدث في بعض المواقع التي شهدت جدلا حول دلالاتها التاريخية ورمزيتها في عدد من الدول.
ولو ترك المجال مفتوحا أمام هذا النوع من تسييس المواقع الأثرية والتاريخية، فقد يأتي يوم تدرج فيه أماكن شعبية وتاريخية ـ مثل سوق الطباخة في المدينة المنورة ـ ضمن مواقع ذات قيمة تراثية وتاريخية، تُزار من قبل اليهود وتقام فيها الطقوس والصلوات بدعوى أن للكبدة والكمونية طابعا دينيا عند اليهود منذ آلاف السنين.
وعندئذ يتحول المكان مع الزمن من مجرد سوق شعبي إلى مزار، ويُرسَّخ في الذاكرة بوصفه حقيقة تاريخية.
وهنا يجب أن نفرّق بين اليهودية كدين، والصهيونية كمشروع سياسي، فليس كل يهودي صهيونيّا، كما أن رفضنا للصهيونية لا يعني كراهيتنا لليهود أو معاداتنا لأتباع الديانة اليهودية.
والتاريخ نفسه يشهد بأن اليهود عاشوا قرونا طويلة في مدن العرب والمسلمين دون أن يتعرّضوا لما تعرّضوا له في أوروبا، فقد عاشوا في الأندلس والمغرب واليمن والعراق والشام ومصر وغيرها، وتحدّثوا لغة أهلها، وشاركوا أهلها أفراحهم وأتراحهم، وكانوا جزءا من نسيجها الاجتماعي والثقافي.
لكن الذي غيّر الصورة هو المشروع الصهيوني القائم على فكرة السيطرة والتوسع وفرض الرواية الواحدة بالقوة، ولم يكتف باحتلال الأرض، وإنما احتل أيضا الذاكرة والتاريخ والرموز والأماكن التاريخية والتراثية ونسبها إليه.
ولذلك فإن حساسية الناس في مراكش تجاه تصرفات اليهود ليست نابعة من رفض التعايش معهم، وإنما من الخوف من تكرار التجربة نفسها التي شهدها العالم في القدس وفلسطين.
والمشكلة أن الصهيونية لا تتحرك باعتبارها مجرد فكرة سياسية عادية، وإنما باعتبارها مشروعا وجوديا يسعى إلى تغيير الجغرافيا والتاريخ في المنطقة العربية بما يخدم أهدافها.
ولهذا يصبح المكان البسيط الذي يتعبدون فيه، مع مرور الوقت، رمزا يهوديا، ثم يتحول من رمز إلى قضية، ومن قضية إلى مطالبة سياسية، ثم يصبح الاعتراض عليه، في نظر الإعلام الغربي والإسرائيلي، نوعا من أنواع التطرف أو رفض حرية الأديان.
والأخطر من ذلك أن كثيرا من الأصوات التي تتحدث باستمرار عن التسامح وحقوق الإنسان تتجاهل تماما ما يحدث للفلسطينيين في القدس وغزة والضفة الغربية.
فحين يمنع الفلسطيني من الوصول إلى المسجد الأقصى، أو يقتل المدنيون تحت القصف، أو تهدم بيوتهم على رؤوسهم، لا نسمع الضجيج الذي نسمعه عندما يتعلق الأمر بأي قضية تخص إسرائيل أو الجماعات المؤيدة لها، وهذا التناقض هو ما جعل كثيرا من الناس يفقدون الثقة بالشعارات التي ترفع باسم الحرية والديمقراطية.
والتسامح الحقيقي لا يكون انتقائيا، ولا يستخدم لخدمة طرف دون آخر، والتعايش لا يعني أن يطلب منا أن ننسى تاريخنا أو نتخلى عن حساسيتنا تجاه مشروع نراه قائما أصلا على الإقصاء والتهجير والتغيير الديموغرافي والقتل والبطش والقوة العسكرية.
من الطبيعي أن نقلق حين نشعر بأن هناك محاولات لاختراق حدود وعينا، أو تمرير رسائل سياسية عبر ممارسات يهودية تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تحمل في باطنها معاني عميقة وأهدافا بعيدة.
كما أن من حقنا أن نحافظ على أماكننا التاريخية والدينية والتراثية من أي توظيف سياسي، تماما كما تفعل جميع شعوب العالم الأخرى.
فلا أحد يقبل أن تتحول معالم تاريخه إلى أدوات لإعادة كتابة تاريخ مكذوب أو تغيير هوية مكانه تدريجيا، وحماية ذاكرتنا ليست تطرفا، وإنما جزء من حق الشعوب في الحفاظ على هويتها وروايتها وتاريخها الخاص.
إن المشكلة الكبرى اليوم ليست فقط في الاحتلال العسكري الإسرائيلي، وإنما في محاولة إعادة تشكيل الوعي العربي والإسلامي ليصبح أي اعتراض على الصهيونية نوعا من الكراهية والتعصب، بينما يطلب منا في المقابل أن نقبل كل ما تفعله إسرائيل باعتباره أمرا طبيعيا أو جزءا من الحداثة والشرق الأوسط الجديد.
ولذلك فإن معرفة هذه التفاصيل الصغيرة أصبحت ضرورة، لأن كثيرا من التحولات الكبيرة تبدأ بخطوات تبدو محدودة وبسيطة في البداية، وما يحدث اليوم في أي مدينة عربية يجب أن يُقرأ بعين واعية تعرف الفرق بين التعايش الحقيقي مع اليهود وبين استغلال تسامحنا لخلق وقائع جديدة مع مرور الزمن.
فالعرب لم يكونوا يوما ضد أصحاب الديانات المختلفة، لكنهم في المقابل يرفضون تحويل أراضيهم ورموزهم وتاريخهم وأماكنهم التراثية والتاريخية إلى منصات تخدم مشاريع سياسية ودينية وثقافية تقوم على فرض السيطرة والقوة واحتكار تفسير تاريخهم وفق أهواء اليهود.
وبين احترام حرية العبادة ورفض التوظيف السياسي للأماكن التاريخية، توجد مساحة واضحة يجب أن يفهمها الجميع جيدا قبل أن تتكرر الأخطاء التي دفعت شعوبا كاملة ثمنها عبر عقود طويلة مضت.
ولهذا فإن القلق الذي أبداه كثير من الناس تجاه ما حدث من اليهود في مراكش لا يختزل في اللحظة الراهنة فحسب، وإنما فيما يمكن أن تؤول إليه الأمور مع مرور الوقت إذا تركت مثل هذه التصرفات تتكرر بلا تنبيه أو قراءة واعية.
فالتجارب السابقة علمتنا أن تحويل أي موقع إلى مزار أو رمز ديني لا يبدأ بإعلان سياسي صريح، وإنما بخطوات صغيرة ومتدرجة: زيارات متكررة، ثم طقوس دينية، ثم تداول إعلامي، ثم روايات تاريخية يعاد إنتاجها حتى تصبح مع مرور الزمن حقيقة مستقرة في الأذهان.
وهذا ما جعل بعض أهالي مراكش والمراقبين يتخوفون من محاولات إعطاء بعض الجدران والأسوار التاريخية فيها أبعادا دينية يهودية، عبر ربطها بروايات قديمة أو إشارات رمزية يتم تضخيمها لاحقا.
فالمكان حين يربط بالشعائر الدينية بصورة مستمرة، يتحوّل تدريجيا من مجرد أثر تاريخي إلى موقع مقدّس لدى اليهود، ثم تبدأ المطالبات بحمايته أو تخصيصه أو الاعتراف به ضمن رواية دينية وسياسية أوسع.
ولأننا شاهدنا كيف جرى التعامل مع حائط البراق في القدس وكيف حوّله اليهود في الإعلام العالمي إلى (حائط المبكى)، فإن التخوف من تكرار هذا السيناريو لم يعد أمرا مبالغا فيه، خاصة في ظل وجود تيارات صهيونية متشددة تتحدث علنا عن مشاريع توسعية وأفكار دينية وأماكن مقدسة تتجاوز حدود فلسطين نفسها.
وبعض هذه الجماعات اليهودية المتطرفة لا تخفي نظرتها إلى أجزاء من بلادنا باعتبارها ضمن ما تسميه (أرض الميعاد) أو المجال الحيوي التاريخي المرتبط بتصوراتها العقائدية.
ومن هنا يزداد قلقنا في دول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية، لما تمثله من ثقل ديني وتاريخي وسياسي في العالم العربي والإسلامي.
فالسعودية ليست مجرد دولة عادية في العالم العربي والإسلامي، وإنما هي مركز روحي وحضاري، وأي محاولة لخلق مزارات دينية دخيلة داخل فضائها التاريخي أو المحلي تُقرأ باعتبارها تمهيدا لصناعة روايات جديدة تخدم أطماعا يهودية أوسع.
ولهذا نرى أن حماية هويتنا وأماكننا التاريخية والثقافية من العبث والتغيير ليست موقفا عاطفيا، وإنما ضرورة مرتبطة بحماية أمننا وتاريخنا من أي محاولات تسلل ناعمة تتطور مع مرور الزمن إلى مطالبات أخطر وأكثر تعقيدا.
وحين تُترك هذه المحاولات دون موقف حازم فإنها لا تبقى في إطار المعالم، وإنما تتحول مع الوقت إلى وقائع ومزارات دينية تُفرض على الأرض وتُغيّر معاني المكان والذاكرة والهوية.




اعجبني بارك الله في علمك وطرحك ابا سلطان
👍👍