حضرموت على حافة الانفجار

حضرموت على حافة الانفجار
والصرخة الأخيرة إلى دار الحزم والعزم
لم تعد القضية في حضرموت قضية انقطاع كهرباء، أو تأخر رواتب، أو انهيار عملة، أو تراجع خدمات فقط… بل أصبحت قضية شعب يُدفع دفعًا نحو اليأس، ووطن يُترك ببطء ليستنزف حتى آخر ذرة صبر فيه.
حضرموت اليوم ليست مجرد رقعة جغرافية تعاني أزمة عابرة، بل مجتمع كامل أنهكته سنوات الفوضى والفساد والانهيار الاقتصادي والتجاذبات السياسية، حتى بات المواطن الحضرمي يشعر أنه يُعاقب في أرضه، ويُترك وحيدًا يواجه أزمات لا تنتهي، بينما الجميع يتحدث باسمه دون أن يحمل همّه الحقيقي.
أبناء حضرموت كانوا دائمًا الأكثر حكمة، والأكثر حرصًا على الاستقرار، والأبعد عن الفوضى والمغامرات والاحتراب، وقد صبروا صبرًا يفوق الوصف، وتحملوا ما لا تتحمله الشعوب، حفاظًا على الأمن والاستقرار، وإيمانًا بأن العقل والحكمة سيغلبان في النهاية.
لكن للصبر حدود…
فعندما تصبح كرامة المواطن مهددة، ومعيشته تنهار، والكهرباء حلمًا، والراتب لا يكفي أيامًا معدودة، والعملة تتهاوى، والخدمات تختفي، والفساد يلتهم كل شيء، بينما تُدار الملفات بعقلية الترقيع والتسكين والوعود المؤقتة، فإن الأمر لم يعد قابلًا للاستمرار.
ومن هنا، فإن الرسالة اليوم تُرفع بكل وضوح إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وإلى سمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وإلى صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي…
إن حضرموت تنظر إلى المملكة العربية السعودية باعتبارها الشقيقة الكبرى، وقائدة التوازن في المنطقة، وصاحبة الثقل السياسي والعسكري والاقتصادي القادر على إحداث فارق حقيقي، ليس بالشعارات، بل بالفعل والقرار والحلول الجذرية.
لقد أثبتت المملكة في مراحل سابقة قدرتها على منع الانفجار، وعلى حماية حضرموت من مشاريع الفوضى ومحاولات الهيمنة، وكان لذلك أثر كبير في حفظ الاستقرار ومنع انزلاق المنطقة إلى صراعات خطيرة.
لكن المرحلة الحالية أخطر بكثير…
فالناس لم تعد تطلب رفاهية، بل تطلب الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
تريد كهرباء مستقرة…
تريد اقتصادًا يُنقذ العملة…
تريد فرص عمل…
تريد أمنًا معيشيًا…
تريد أن تشعر أن هناك من يسمع صرخاتها قبل أن تتحول المعاناة إلى غضب شعبي واسع.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو أن يشعر المواطن الحضرمي بأن صوته لم يعد مسموعًا، وأن معاناته تُترك بلا استجابة حقيقية، لأن الاحتقان حين يتراكم لا يبقى تحت السيطرة إلى الأبد، والتاريخ يعلمنا أن الشعوب حين تصل إلى مرحلة الاختناق تبحث تلقائيًا عن خيارات أخرى لحماية نفسها وأرضها ومستقبل أبنائها.
ولا أحد في حضرموت يريد الفوضى…
ولا أحد يريد التصعيد…
ولا أحد يريد القطيعة…
لكن استمرار التدهور دون حلول حقيقية، واستمرار إدارة الأزمة بعقلية الوقت الضائع، سيدفع الأمور إلى مسارات لا تخدم أحدًا، لا حضرموت، ولا الخليج، ولا المنطقة بأكملها.
حضرموت ليست عبئًا على أحد…
بل هي بوابة الخليج الجنوبية، والعمق الاستراتيجي للأمن العربي، وصمام أمان مهم للاستقرار الإقليمي، وأي اهتزاز كبير فيها لن تبقى تداعياته داخل حدودها فقط.
ومن هنا، فإن الحكمة السياسية الحقيقية اليوم ليست في إدارة الانهيار، بل في منع الانفجار قبل وقوعه.
إنقاذ حضرموت لم يعد ترفًا سياسيًا…
بل ضرورة أمنية واستراتيجية وإنسانية عاجلة.
وأبناء حضرموت لا يريدون خطابات إعلامية، ولا وعودًا مؤجلة، ولا حلولًا شكلية مؤقتة، بل يريدون خطوات واضحة وجادة تحفظ كرامة الإنسان الحضرمي، وتعيد الأمل، وتوقف الانهيار، وتؤسس لاستقرار دائم يليق بتاريخ هذه الأرض ومكانتها.
إن التاريخ سيتذكر من وقف مع حضرموت في لحظة الاختناق…
كما سيتذكر من تركها تواجه مصيرها وحدها.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
30 مايو 2026

