كُتاب الرأي

ملك على قارعة الطريق

ملك على قارعة الطريق

محمد الفريدي

في ليلة شديدة البرودة، تتوارى فيها الأجساد خلف الجدران هربًا من زمهرير الشتاء، وتكتسي الشوارع بغطاء من السكون والوجوم، كانت سيارة الملك الفخمة تتحرك في شوارع العاصمة من دون موكب حراسة أو مظاهر لافتة.

وفي أحد أحياء الفقراء، لمح الملك رجلًا منكمشًا على نفسه في زاوية من الشارع، يصارع البرد القارس بلا مأوى يؤويه، ولا رداء يقيه، ولا طعام يسد جوعه.

استوقف المشهد الملك، فأمر بإيقاف السيارة، وترجل لمخاطبة ذلك المتوسد قارعة الطريق، وسأله بنبرة هادئة: (ما الذي يجبرك على القعود في هذا البرد الشديد، وفي هذه الساعة المتأخرة من الليل؟).

رفع الرجل رأسه بثياب رثة وملامح أنهكها التعب والترحال، وأجاب بنبرة صادقة تتجلى فيها عزة النفس: (جئت إلى هنا بحثًا عن باب رزق، لكن الليل داهمني، ولم أتمكن من العودة إلى دياري، ولا أملك ما يسد رمقي أو يطعم عيالي).

استفسر الملك عن دياره، فأخبره الرجل أنه جاء من إحدى القرى القريبة من العاصمة، أملًا في العثور على لقمة عيش حلال تقيم أوده وتحفظ كرامته.

وحين سأله الملك: (هل أكلت شيئًا طوال هذا اليوم؟)، كانت إجابة الرجل العفيف: (لم آكل سوى كسرة الخبز التي خرجت بها من بيتي صباحًا، والحمد لله على كل حال).

غرس هذا الرد خنجرًا في قلب الملك، فقدم للرجل معونة مالية تعينه على قضاء ليلته، ثم انطلق بسيارته عائدًا إلى القصر الملكي.

طوال طريق العودة، كان الملك صامتًا، فقد أدرك أن الجوع الذي رآه على قارعة الطريق لم يكن حالة فردية يمكن تجاوزها بمعونة عابرة، وإنما جرح اجتماعي يكشف مسؤولية الدولة تجاه أبنائها البسطاء.

وتذكر القصة أنه طلب في صباح اليوم التالي الاجتماع بكبار المسؤولين، وأطلعهم على تفاصيل لقائه بذلك المواطن، ووضعهم أمام مسؤولياتهم الاجتماعية والأخلاقية تجاه الفقراء والمحتاجين، وأكد لهم أن رعاية الجائع وصون كرامته واجبان على الحاكم، وليسا منحة يقدمها متى شاء.

وطلب إنشاء مطعم خيري في قلب العاصمة، يفتح أبوابه لكل جائع ومحتاج، ويقدم الطعام بكرامة ومن دون إهانة، ثم صدرت التوجيهات باختيار موقع حيوي يكون مقرًا لهذه المبادرة.

ووقع الاختيار على حي شعبي عريق، يُعد من أكثر الأحياء اكتظاظًا بالسكان والعمال والحرفيين والبسطاء القادمين من مختلف القرى والمدن. ولم يكن تميز المبادرة في تقديم الطعام وحده، وإنما في الرؤية النفسية والاجتماعية التي قامت عليها.

لقد أدرك الملك أن أشد ما يؤذي الفقير ليس الجوع وحده، وإنما نظرة الشفقة المتعالية التي ترافق بعض صور الإحسان، والشعور بالانكسار عندما يضطر الإنسان إلى إعلان حاجته أمام الآخرين.

ومن هذا المنطلق، وُضع نظام يقوم على تقديم الوجبة مقابل مبلغ رمزي قدره قرش واحد، حتى يشعر المحتاج بأنه يشتري طعامه بكرامة، ويُعفى من الدفع مَن لا يملك ذلك المبلغ، من دون إجراءات معقدة أو أسئلة تجرح مشاعره وتكشف حاله أمام الناس.

وعُيّن أحد طهاة القصر للإشراف على إعداد الطعام، لضمان تقديم وجبات جيدة ونظيفة، تليق بالإنسان الذي يتناولها، فلا يتحول فقره إلى مبرر لتقديم طعام رديء إليه.

أحدث المطعم نقلة اجتماعية مهمة، فقد أصبح ملاذًا للعمال والمغتربين الباحثين عن العمل والفقراء والمحتاجين، ووجدوا فيه مكانًا يحترم كرامتهم ويقدم لهم الطعام الطازج والساخن في أجواء يسودها الاحترام.

واستمر المطعم في أداء رسالته الإنسانية سنوات طويلة، وكانت أفرانه تعمل بصورة منتظمة، وموائده تُبسط للعمال والفقراء والمحتاجين، حتى أصبح نموذجًا لدور الدولة في ترسيخ التكافل الاجتماعي وتعزيز قيم التراحم بين أفراد المجتمع.

ولم يكن المطعم مجرد مكان لتقديم الطعام، وإنما تحول في ذاكرة أهالي الحي والأحياء المجاورة إلى رمز للأمان والتكافل، ومقصد يجد فيه المحتاج كرامته قبل أن يجد وجبته.

واختفت من محيطه مشاهد التسول والمسكنة، وحلت محلها طوابير منتظمة من الناس يتلقون طعامهم في صورة تجسد معنى العمل الخيري الذي يصون كرامة الإنسان، ولا يتبع العطاء بالمن والأذى.

حتى أطاح الضباط بالملك في 23 يوليو 1952، وصادروا ممتلكاته، وأغلقوا مطعمه الخيري، وصفّوا أعماله، فتوقف بذلك مشروع ظل يقدم الطعام للفقراء والمحتاجين.

وبإغلاق المطعم، انطوت صفحته عمليًا، لكن أثره لم يندثر كليًا، فما زالت اللوحة التي تحمل اسم (مطعم فاروق الخيري) على جدار المبنى في حي باب الشعرية شاهدةً على مبادرة اجتماعية حملت مفهومًا متقدمًا في التعامل مع الفقر والحاجة.

وتقف تلك اللوحة شاهدًا صامتًا يروي للمارة قصة مشروع لم يكتف بإطعام الجائع، وإنما حرص على ألا يكسر كرامته وهو يقدم إليه الطعام.

إن قصة هذا المطعم تعيد فتح ملف مهم في قراءة التاريخ الحديث لمصر، فقد تعرضت شخصية الملك فاروق على مدى عقود لمحاولات تشويه، واختُزلت فترة حكمه في روايات ركزت على جوانب محددة، وتجاهلت كثيرًا من المبادرات الاجتماعية التي أقيمت في عهده.

ومهما اختلفت الآراء حول تجربته السياسية، فإن الحكم المنصف لا يقوم على تمجيد الحاكم أو شيطنته، وإنما على قراءة أعماله ومواقفه كما حدثت، ووضع الإيجابيات والسلبيات أمام القارئ من دون انتقائية.

وتكشف المبادرات الاجتماعية المنسوبة إلى عهده جانبًا إنسانيًا يستحق الدراسة، خاصة أن فكرة تقديم الطعام بمقابل رمزي تحافظ على شعور المحتاج بأنه يحصل على حقه بكرامة، ولا يقف في طابور لاستجداء إحسان الآخرين.

إن حرص الملك على ألا تنكسر كرامة الفقير يعكس وعيًا اجتماعيًا وإنسانيًا متقدمًا، وقد تكون هذه الفكرة أكثر أهمية من حجم الطعام الذي كان يقدمه المطعم، فالإنسان لا يحتاج إلى لقمة العيش وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى الاحترام.

رحم الله كل يد أطعمت جائعًا وصانت كرامته، فالحاكم والمسؤول لا تُقاس قيمتهما بحجم الخطب والصور والمظاهر، وإنما بما يتركانه من أثر في حياة الناس، وبقدرتهما على رؤية الإنسان البسيط الذي قد لا يصل صوته إلى القصور والمكاتب.

ولا تتوقف قيمة هذه التجربة عند حدود التاريخ المصري، وإنما تفتح أمامنا بابًا للتفكير في كيفية تطوير العمل الاجتماعي في وقتنا الحاضر، والاستفادة من جوهر الفكرة بعيدًا عن نسخ تفاصيلها القديمة.

وانطلاقًا من قيم ديننا الحنيف، وفي إطار مستهدفات رؤية المملكة 2030 لتعزيز جودة الحياة وتنمية المسؤولية الاجتماعية وتمكين القطاع غير الربحي، أقترح إطلاق مشروع (المطاعم التكافلية الوطنية) في مختلف مدن ومحافظات المملكة، بالشراكة بين وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية والقطاع الخاص والجهات غير الربحية المرخصة.

ويهدف المشروع إلى تطوير مفهوم الإطعام من تقديم مساعدة مباشرة ومؤقتة إلى نموذج اجتماعي مستدام يصون كرامة الإنسان، ويعزز قيم التكافل والتراحم، ويضمن وصول الغذاء المناسب إلى المستحقين بطريقة تحفظ خصوصيتهم.

ويقوم المشروع على إقامة شراكات تعاونية مع المطاعم الكبرى والمتوسطة لتقديم وجبات صحية متكاملة للمستحقين بأسعار رمزية تتراوح مثلًا بين ريالين وخمسة ريالات، على أن يُغطى فارق التكلفة من مساهمات المطاعم، ودعم برامج المسؤولية الاجتماعية، والتبرعات التي تستقبلها الجهات المرخصة.

ويمكن تقديم الوجبات مجانًا للفئات الأشد حاجة وفق معايير استحقاق واضحة، من دون أن يعرف العامل في المطعم الحالة الاجتماعية للمستفيد أو مقدار احتياجه.

ويُربط المشروع إلكترونيًا بالضمان الاجتماعي والمنصات الوطنية والجمعيات المرخصة ذات العلاقة، وفق الأنظمة، للتحقق من الاستحقاق من خلال رمز أو بطاقة رقمية تحفظ خصوصية المستفيد وكرامته، وتراعي نظام حماية البيانات الشخصية.

ولا يظهر للعاملين في المطعم سوى استحقاق صاحب الرمز للوجبة وعددها، من دون الكشف عن راتبه أو ظروف أسرته أو تفاصيل حاجته؛ فالمقصود مساعدته، لا تحويل معاناته إلى ملف مكشوف أمام الآخرين.

كما أقترح تعزيز الشراكة مع جمعيات حفظ النعمة والجهات غير الربحية المرخصة، للاستفادة من فائض الغذاء والتبرعات العينية المقدمة من المزارع والأسواق والمنشآت الغذائية، وفق الأنظمة والاشتراطات الصحية، بما يسهم في تقليل الهدر الغذائي وتوجيه الفائض بصورة آمنة ومنظمة إلى المستحقين.

ويجب ألا يتحول المشروع إلى باب للاجتهادات العشوائية أو الاستغلال التجاري، لذلك يحتاج إلى حوكمة واضحة، ورقابة مالية وصحية، وتقارير دورية تقيس عدد المستفيدين وجودة الوجبات وحجم الهدر الذي جرى تقليله، ومدى التزام المطاعم والجمعيات بالمعايير المعتمدة.

كما يمكن تطبيق المشروع تجريبيًا في عدد محدود من المدن، ثم قياس نتائجه وتطوير آلياته قبل تعميمه على مستوى المملكة، لضمان نجاحه وتجنب تحوله إلى مشروع ضخم على الورق وضعيف عند التنفيذ.

ولا أريد لهذا المشروع أن يكون مجرد حملة مرحلية تنتهي بانتهاء التقاط الصور والتغطيات الإعلامية، وإنما أريده منظومة وطنية مستمرة تحفظ للمحتاج حقه في الغذاء وحقه في الكرامة معًا.

إن المجتمعات العظيمة لا تترك الجائع يبحث عن الطعام في الظلام، ولا تجبر المحتاج على كشف ضعفه أمام الناس، ولا تجعل المساعدة أداة للتصوير والاستعراض، وإنما تبني نظامًا يصل إليه قبل أن يضطر إلى السؤال.

لقد توقف ملك عظيم ذات ليلة أمام رجل ضعيف على قارعة الطريق، فتحولت لحظة إنسانية إلى فكرة خَدَمَت المحتاجين سنوات طويلة، ونملك اليوم من الموارد والتقنية والمؤسسات ما يمكّننا من بناء مشروع أكثر تنظيمًا واتساعًا واستدامة.

فليس المهم أن نقدم وجبة لجائع ثم نغادر، وإنما أن نبني منظومة تحد من الجوع، وتحول التكافل من عاطفة مؤقتة إلى مسؤولية وطنية دائمة، حتى تصبح لقمة الطعام جزءًا من مشروع يصون كرامة المواطن، وتتحول الرحمة من كلمة جميلة إلى عمل يبقى أثره في حياة الناس.

كاتب رأي

 

 

 

 

محمد الفريدي

رئيس التحرير

تعليق واحد

  1. ياااا الله
    كيف تستخدم الأسلوب القصصي لبناء مشاريع اجتماعية وحل مشكلة إنسانية وتوجيه البوصلة لقضية واقعيه !!!!بهذا المقال روحك وإنسانيتك وضميرك الحي وهكذا كاتب الرأي لماح ومجتمعي ومصلح ثقافي ،،،،،
    سلمت ودمت كاتبا متوهجا !!!
    د يوسف العارف جده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.