كُتاب الرأي

الوقف التعليمي.. استثمارٌ يصنع المستقبل

الوقف التعليمي.. استثمارٌ يصنع المستقبل

بقلم: د. بكري بن معتوق عساس

يُعد الوقف من أعظم صور الصدقة الجارية التي حثت عليها الشريعة الإسلامية، وقد نظر العلماء إلى الوقف بوصفه باباً من أبواب مكارم الأخلاق لما يحققه من نفعٍ متعدٍ للأفراد والمجتمعات. وإذا كان إطعام الجائع أو علاج المريض من الأعمال الجليلة، فإن دعم التعليم ونشر المعرفة يظل من أرفع أوجه الوقف أثراً وأبقاها نفعاً؛ لأن العلم يصنع الإنسان القادر على البناء والتنمية وإحداث التغيير الإيجابي.

وعبر التاريخ الإسلامي لعب الوقف دوراً محورياً في دعم الحركة العلمية؛ فقد أُنشئت من خلاله المدارس والمكتبات ودور العلم، كما تكفّل بالإنفاق على العلماء والطلاب ونسخ الكتب وحفظها. وأسهمت الأوقاف في ازدهار مراكز علمية كبرى في بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة، مما جعلها منارات للمعرفة استقطبت طلاب العلم من مختلف أنحاء العالم.

وفي العصر الحديث أصبحت الأوقاف التعليمية أحد أهم مصادر التمويل المستدام للجامعات المرموقة. فجامعة هارفارد تُعد مثالاً بارزاً على نجاح الوقف الجامعي؛ إذ تمتلك صندوقاً وقفياً ضخماً يساهم في تمويل برامجها الأكاديمية والبحثية والمنح الدراسية. وينطبق الأمر كذلك على جامعات عريقة مثل ييل وستانفورد وأكسفورد وكامبردج، التي تعتمد بدرجات متفاوتة على العوائد الوقفية لتعزيز استقلالها المالي وجودة مخرجاتها العلمية.

وتبرز أهمية الوقف التعليمي في أنه يوفّر مورداً مالياً مستقراً لا يتأثر كثيراً بالتقلبات الاقتصادية أو بتغير أولويات الإنفاق الحكومي، مما يمنح المؤسسات التعليمية قدرة أكبر على التخطيط طويل المدى. كما يتيح تمويل الأبحاث العلمية النوعية، واستقطاب الكفاءات المتميزة، وتقديم المنح للطلاب المتفوقين وغير القادرين، وإنشاء المختبرات ومراكز الابتكار وريادة الأعمال.

وعلى المستوى المحلي، تمثل جامعة الفيصل في الرياض وجامعة عفت في جدة نماذج رائدة للاستفادة من مفهوم الوقف والدعم الأهلي في تطوير التعليم الجامعي. كما أن رؤية المملكة 2030 فتحت آفاقاً واسعة لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام وغير الربحي، بما يرفع مساهمة الأوقاف في التنمية المستدامة وبناء اقتصاد المعرفة.

ومن اللافت أن بعض الجامعات العالمية تضع قدرة القيادات الأكاديمية على تنمية الموارد الوقفية ضمن معايير الاختيار والتقييم، إدراكاً منها لأهمية الاستدامة المالية في تحقيق التميز العلمي. كما أن أسماء كثير من الجامعات العالمية ما زالت تحمل أسماء الواقفين والمؤسسين الذين تبرعوا بأموالهم وأصولهم لخدمة العلم، في صورة تجسد الوفاء والعرفان لأصحاب الأثر الممتد.

إن مستقبل التعليم يتطلب تنويع مصادر التمويل وعدم الاعتماد على مصدر واحد، ولذلك فإن نشر ثقافة الوقف التعليمي وتعزيز الوعي بأهميته بين أفراد المجتمع ورجال الأعمال والمؤسسات الخيرية يُعد ضرورة وطنية وحضارية. فالوقف على التعليم ليس إنفاقاً استهلاكياً عابراً، بل استثمار طويل الأجل في العقول البشرية، وثمرة تمتد آثارها لأجيال متعاقبة، وتسهم في بناء وطن أكثر تقدماً وقدرة على المنافسة في عالم المعرفة.

كاتب رأي

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.