المهنية الصحفية: حرفية ومسؤولية

المهنية الصحفية: حرفية ومسؤولية
المستشار عبدالله سالم الصعيري
الخبر والحدث يؤثران في فكر المجتمعات وسلوكها وتوجهاتها، وحتى انتماءاتها وولائها، ونحن نقضي ساعات طويلة في متابعة الأخبار عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، متنقلين بين الأخبار الرسمية والسياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. لكن غالبًا ما يقتصر دور الإعلامي والصحفي على النقل أو النشر فقط، مثل دور البوسطجي في عملية النسخ واللصق، وبذلك يكون دور الإعلامي هزيلًا أو معدومًا، وتصبح مهنته مهنة ساعي بريد فقط.
إن غالبية الصحفيين والإعلاميين، حتى على مستوى الصحف والقنوات الرسمية والعالمية، يكون دورهم هامشيًا جدًا، دون تعليق أو رأي أو فكرة أو تحليل. والمستمع والمشاهد يبحث عن الحقيقة والمصداقية، أو عن الرأي أو الحكم المحايد لأي خبر أو فكرة أو قصة أو حدث.
فعندما يقتصر دور الإعلامي أو الصحفي على النقل فقط، فكيف يستفيد المتلقي؟ وكيف يُثري الإعلامي المستمعين والمشاهدين إذا لم يُبدِ الرأي أو يوضح أو يؤكد أو ينفي هذا الخبر أو المادة الإعلامية التي يبثها أو ينشرها أو يرسلها عبر الأثير أو عبر القنوات الإعلامية المتاحة لديه؟
الإعلامي ليست مهمته النقل فقط، والإعلام ليس صندوق بريد. والإعلامي ليس جهازًا لاسلكيًا أو هاتفًا لنقل الخبر والمعلومة والحدث أو إرسالها فقط. يجب أن يكون للإعلامي دور أكبر في كل ما ينقله أو ينشره أو يذيعه أو يرسله. ولا بد أن يكون للإعلامي دور في التأكد من صحة الخبر أو الحدث ومصداقيته، وبيان حجمه وأسبابه أو دوافعه، وكشف جميع الحيثيات والمعطيات المحيطة به التي تُثري المشاهد والمستمع والقارئ، مع إبداء الرأي المنطقي أو العادل أو الأدبي عنه، وفقًا للرأي العام الحقيقي أو الموقف الاجتماعي من هذه الأحداث والأخبار.
ولا بد للإعلامي، من خلال الخبر والحدث الذي ينقله، أن يبحث عن الأدلة والقرائن والشواهد التي تفيده وتساعده في تحليل مصداقية الخبر وإثباتها أو نفيها. يجب أن يكون مثل ضابط التحقيق في مسرح الجريمة، وأن يبحث عن كل ما يمت بصلة إلى هذا الحدث أو الخبر، مما يدعم الرأي أو يؤيده أو يصدقه أو ينفيه.
النقل فقط يعتبر نصف الحقيقة. ولا نريد أن نصل إلى وضع ينطبق فيه علينا معنى الآية الكريمة: (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا). فيجب أن يعرف الإعلامي ويفهم كل ما ينقل وينشر.
ولن أقبل على نفسي وعلى قلمي أن ينشر ما لا ينفع أو يضيف أو يفيد، حتى بأدنى نسبة من الفائدة، في أي مجال، سواء أكان علميًا أو اجتماعيًا أو صحيًا أو سياسيًا. إن النقل دون إثراء أو فائدة يكون مثل الثرثرة ونقل الحديث بين الناس، وقد يكون ضرره أكبر من نفعه.
إن الإعلام في العالم يحوي الغث والسمين، إلا أن المحتوى السمين قليل، بينما يطغى المحتوى الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. فهل نرضى أن يكون هذا نصيب المجتمع والشعوب وفائدتهم من إعلامنا وصحافتنا وجميع قنوات التواصل مع المجتمع؟ وبذلك تبقى المعلومة ناقصة، والحقيقة مفقودة، والفائدة معدومة، أشبه ما تكون بالحليب منزوع الدسم.
الصحافة والإعلام لا يكونان بالكثرة، بل بالقيمة والفائدة والمردود والتأثير، حتى ننمي فكرًا يستطيع أن يقرر ويختار ويحكم بكل عقلانية ومنطق وصدق وعدل.
