ترامب على خطى هتلر
ترامب على خطى هتلر
محمد الفريدي
تابعتُ مؤتمرا صحفيا لترامب ومرافقيه قبل فترة، وقد بدا بعيدا عن الصورة التقليدية التي اعتدناها للمؤتمرات الصحفية لرؤساء الولايات المتحدة، حين كانت تحرص على تقديم خطابها بقدر من الاتزان والهيبة.
فقد ظهر مؤتمره، في مجمله، أقرب إلى استعراض يغلب عليه التوتر والاستفزاز، وتتداخل فيه لغة التهديد والوعيد مع نبرة الغطرسة، في مشاهد توحي بأجواء أقرب إلى أجواء الحرب العالمية الثانية وعروض السيرك النازية آنذاك منها إلى الدبلوماسية.
ما رأيته لم يأتِ امتدادا للصورة المعتادة للمؤتمرات الصحفية الأمريكية، بل خرج عن إطارها تماما، وبدا مشهدا مصمما أكثر منه مرتجلا، وأقرب إلى عرض إعلامي تُدار فيه الرسائل بدقة، وخطاب أحادي الاتجاه تغلب عليه اللغة الاحتفالية بالقوة والتصفيق.
لم يكن هناك فرق كبير بين من كانوا يصفقون لزعيم ألمانيا الأوحد ذات يوم، وبين من يُصفّقون لزعيم البيت الأبيض اليوم؛ فقط تغيّرت اللغة، وتبدّلت الجغرافيا، لكن الروح واحدة: روح التمجيد، وروح (الزعيم الذي لا يخطئ)، وروح (القائد الملهم) الذي يعرف كل شيء، ويرى ما لا يراه غيره، ويقود شعبه نحو الخلاص الموعود.
تحوّل المؤتمر إلى احتفال لعائلة ترامب، وتسابق أبناؤه إلى كيل عبارات المديح الجاهزة: (القيادة الرائعة)، (الذكاء الاستثنائي)، (الحنكة الفريدة)، (الأخلاق العالية)، (هنيئا لأمريكا بهذا الرئيس)، (لا تخافوا طالما ترامب معكم)، (هو يعرف تماما ما يجب فعله).
هذه ليست عبارات مسؤولين يخاطبون شعبا، بل عبارات أتباع يخاطبون شيخ طريقة صوفية، وليست لغة دولة مؤسسات، بل لغة جماعة صنعت ديكتاتورا، وتعيد إنتاجه عبر تكرار المديح حتى يصبح محور الدولة الأمريكية بدلا من أن تكون هي الإطار.
كان المؤتمر ينقصه فقط أن ترتفع هتافاتٌ منظّمة، أو أن تتكرّر لازمةٌ محفوظة تردّدها الحناجر بنغمة واحدة، كما كانت تفعل زمرةُ أدولف هتلر، وحسن نصر الله، وعلي خامنئي، ومعمر القذافي، وصدام حسين، ونيكولا تشاوشيسكو.
حين استمعت إلى سيل المديح لترامب، خطر لي أن الفرق بين واشنطن والضاحية الجنوبية لم يعد في الميكروفونات، ولا في الإضاءة، ولا في جودة البث، بل في درجة المبالغة في تمجيد القائد الأمريكي الأوحد، دونالد ترامب.
فقد كان ذلك الخطاب هناك يلبس ثوب (المقاومة)، وهنا يلبس ثوب (العظمة الأمريكية)، والجوهر واحد: صناعة صورة أسطورية للقائد، وإقصاء أي احتمال للخطأ، وتسخير كل مؤتمر صحفي لخدمة صورته فقط.
في نظام حسن نصر الله ومن سار في فلكه، كانت الهالة تُبنى على فكرة (الزعيم الرباني القوي الذي لا يُهزم)، و(العارف بكل التفاصيل)، و(الحاضر في كل الجبهات).
واليوم، في المشهد الذي رأيناه، تُبنى الهالة في أمريكا على فكرة (الرئيس العبقري الأوحد)، و(صاحب الحدس الخارق)، و(النبي المنقذ للعالم الذي يعرف ما لا يعرفه الآخرون).
المشكلة ليست في المديح بحدّ ذاته، فكل قائد لديه من يمدحه، لكن الإشكالية حين يتحوّل المؤتمر الصحفي إلى مسرح للتمجيد، وتختفي الأسئلة الصحفية، وتغيب الإجابات الجادّة، ويتحوّل الصحفيون إلى متفرجين، والسياسيون إلى شعراء مديح، فتضيع رسالة المؤتمر بين الإشادة والمديح والتلقين.
كنت أظن أن الولايات المتحدة، مهما اختلفنا معها، تملك أنظمة وتقاليد رصينة تحصّنها من الانزلاق في الأكاذيب والمبالغات الهوليوودية، لكن ما رأيته كان أقرب إلى عرض تعبوي.
وينقصه فقط، بصراحة، أن تُقال فيه عباراتٌ من قبيل: (بالروح بالدم نفديك يا ترامب)، و(الله يخلي الريس، الله يطوّل عمره)، و(هيهات منا الذلة)، وتكتمل معه صورة مشهد يقدم فيه الخطابُ الانفعالي على حساب المضمون والحوار الجاد.
بل إن المؤتمر كاد يكتمل بكل عناصره الكاريكاتورية، لو ظهر سموتريتش وبن غفير وهما يرتديان طواقيهما الصغيرة ونظاراتهما الشمسية، ويهتفان باسم (الزعيم الأوحد أبو إيفانكا)، لتنسجم الصورة تماما مع مستوى التأجيج الذي يطغى على الأجواء في الولايات المتحدة وإسرائيل.
هذا ليس نقدا لشخص بعينه فقط، بل هو نقدٌ لمنطق كامل؛ منطقٌ يرى اليوم في الرئيس الأمريكي تجسيدا للأمة الأمريكية، ويرى في نقده خيانة وتقليلا من هيبته، ويرفض فكرة أنه نبي مرسل جاء لإنقاذ البشرية.
وهو نفس المنطق الذي غذّى زمرة حسن نصر الله، حين حوّل السياسة إلى عقيدة، وحوّل نفسه إلى رمز مقدّس، وأخطاءه إلى (حكمة لا نفهمها ولا يفهمها حتى أتباعه أيضا).
حين يتكرّر هذا المشهد في أمريكا، تتآكل فكرة الدولة؛ لأن الدول الديمقراطية تقوم على التوازن، وعلى المؤسسات، وعلى فصل السلطات، وعلى النقاش العام المفتوح الصريح الذي لا مبالغة فيه ولا تطبيل.
أما حين يصبح كل شيء فيها مقيدا بشخص الرئيس، فإنها تعود إلى منطق يُقصي المؤسسات، ويضعف الأسس، ويجعل القرار العام امتدادا لإرادته، لا ثمرة لنظام مؤسسي متوازن.
الخطير في الأمر ليس فقط في ما قيل في المؤتمر، بل في ما لم يُقل؛ فقد غابت عنه الأسئلة الصعبة، وغاب الحديث الجاد عن الأحداث العالمية، وغاب الاعتراف بالتعقيدات، وحل محله خطابٌ يعتمد على الشعارات وصناعة صورة بطولية للرئيس الأوحد.
وهنا يكمن التشابه الكبير: في خطاب زمرة حسن نصر الله، الذين كانوا يسمّون هزائمهم على مدى أربعة عقود انتصارات، ويعيدون صياغة خسائرهم كإنجازات، ويصنّفون كل نقد لهم على أنه (مؤامرات).
وفي مؤتمر الرئيس ترامب الذي رأيته، برزت نزعةٌ مماثلة إلى تضخيم الذات، وتجميل الإخفاقات، وإعادة تدوير الرواية بما يخدم صورته فقط.
لا أحد يطلب من الرؤساء الأمريكيين أن يكونوا رهبانا وقديسين، لكن يفترض أن يحترموا عقولنا، وأن يدركوا أن شعوب العالم ليست جمهورا ساذجا يجلس في مسرح كينيدي سنتر، بل أبناءُ دول ومجتمعات مستقلة ذكية.
ومن حقهم السؤال والاعتراض والمراجعة والتحليل والتقييم ورفض كل ما يتعارض مع دينهم وسياساتهم وقوانينهم وعاداتهم وتقاليدهم.
المؤتمر الصحفي، في جوهره، كان اختبارا حقيقيا لترامب: كيف يتعامل مع الأسئلة؟ وكيف يبرّر قراراته؟ وكيف يعترف بأخطائه؟
أما حين يتحوّل إلى مديح مُمِلّ، فإن الرسالة التي تصل إلينا في الخارج هي أن هذا الزعيم ديكتاتورٌ محاطٌ بدائرة مغلقة من الأيباك، لا تسمح له بسماع إلا أصوات المحيطين به وصدى صوته فقط.
لقد علّمتنا تجاربُنا في المنطقة أن التطبيل لا يصنع دولة متزنة، بل يصنع فقاعة كبيرة، وأن الزعيم الذي يحيط نفسه بالمصفّقين والمدّاحين يفقد القدرة على رؤية الواقع كما هو، وأن الشعوب التي تعيش على تمجيد الفرد تسقط حين تصطدم بالواقع.
عاش حسن نصر الله وزمرته سنوات طويلة على صناعة صورته كـ(زعيم مقاوم لا يُقهر)، ثم انهارت هذه الصورة تحت ضغط الواقع المتراكم والمتسارع.
لأن الواقع لا يخضع للهتاف، ولا يتأثر باللافتات، ولا ينخدع بالشعارات، بل يفرض منطقه في النهاية، ويكشف هشاشة كل ما بُني على التمجيد لا على الحقائق.
وهذا الدرس يجب أن يُفهم في كل مكان: لا في الضاحية، ولا في واشنطن فقط، بل في أي عاصمة تُغريها فكرة تحويل المؤتمرات الصحفية إلى استعراض وتمجيد.
ما رأيته لم يكن مجرد مؤتمر صحفي هزيل، بل كان مؤشرا خطيرا على تحوّل في الخطاب الأمريكي، من منطق الدولة الديمقراطية إلى منطق الزعيم الأوحد، ومن منطق المؤسسات إلى منطق الفرد الواحد، ومن منطق المساءلة إلى منطق التصفيق.
والسؤال المهم ليس: هل كان مؤتمره الصحفي مضحكا أو ساخرا؟ بل: ماذا يعني أن تصل دولة كبرى ديمقراطية إلى هذا المستوى من التمجيد لشخص الرئيس؟
حين تختلط السياسة الأمريكية بالتطبيل، ويُستبدل العقل بالهتاف، وتُدار المؤتمرات الصحفية بأهازيج الاحتفالات، فإننا نكون أمام ظاهرة تستحق القلق لا الضحك، لأن التاريخ لا يرحم الزعماء الذين يصدّقون التصفيق، ولا الشعوب التي تكتفي بالصمت والمشاهدة فقط.
وإذا كان هناك درس يستفاد من تجارب زمرة حسن نصر الله، فهو أن الهالة المصنوعة إعلاميا لا تصمد طويلا أمام تحديات الواقع المتغيّر، وأن من يُحيط نفسه بجوقة مدّاحين سيكتشف يوما أنه كان يعيش داخل صورة مصطنعة، فصلته تدريجيا عن حقيقة ما يجري حوله.
السياسة ليست مسرحا ولا حلبة مصارعة، والرئاسة ليست لقبا يزين بالمديح، والدولة الأمريكية ليست عائلة تتبادل الثناء على الهواء، بل هي عقد مع الأمريكيين جميعا.
وهذا العقد يقوم على المساءلة لا على المديح والهتاف، وأي مؤتمر صحفي يحوّل الرئيس إلى أيقونة معصومة هو مؤتمر يبتعد خطوة عن الدولة الديمقراطية، ويقترب خطوة من منطق الديكتاتورية، التي تستبدل فيها المؤسسات بشخص واحد، ويختزل فيها الحكم في الولاء المطلق لا في المحاسبة.
وما يثير الخوف أن هذا الأسلوب في صناعة الزعماء المُخلِّصين ليس جديدا على العالم، بل هو أسلوب مجرّب في عدد من الدول، حيث تستبدل الدولة بشخص، ومؤسساتها بمصفقين، وبرامجها بخطابات حماسية، ثم يتطوّر إلى ثقافة تُجرّم الناصح وتُشيطن المُخلِص، وتجعل من التصفيق مقياسا للوطنية.
وفي مثل هذه البيئات، لا يتراجع الأداء العام فحسب، بل تتآكل الثقة بين الدول وشعوبها تدريجيا، ويغدو تصحيح الأخطاء أصعب كلما طال أمد هذا النهج، وهنا يكمن الخطر في أن تتحول أمريكا مع مرور الوقت إلى دولة ديكتاتورية، تصنع زعماءها بالطريقة نفسها التي صُنِع بها زعيمُ ألمانيا هتلر.
في كثير من تلك التجارب، كانت المؤتمرات تتحوّل إلى مهرجانات ولاء، يُحيط فيها المسؤولون بالرئيس إحاطة السوار بالمعصم، ويتبادلون معه المديح أمام الكاميرات، ويغدقون عليه صفات القوة والحكمة والبصيرة.
ومع مرور الوقت، تذبل مؤسسات الدولة الأمريكية؛ لأن القرار لم يعد يصدر عنها، بل يُنسب إلى (فخامة الرئيس الملهم وحده)، وتختزل سياساتها في إرادته، وتختصر في صورته، فتتراجع المحاسبة، ويبهت دور المؤسسات، وتصبح صناعة القرار أقرب إلى تنفيذ إرادة فرد لا إلى إدارة دولة.
المقلق في الأمر أن بعض ملامح هذه الديكتاتورية أخذت تتسلل إلى الخطاب الأمريكي منذ بداية عهد ترامب؛ حيث تتقدّم اللغة المتغطرسة على اللغة المؤسسية، وتعلو نبرة التمجيد الشخصي على نبرة المسؤولية الجماعية، ويُعاد تشكيل الرواية حوله بوصفه زعيما قادرا وحده على التفاوض والحرب وهزيمة الأعداء، حتى تحوّلت سياساتها إلى نهج يقوم على الشخصنة لا على المؤسسات.
وهذه الصيغة في إدارة الحكم، مهما بدت جذابة لجمهور متحمّس، فهي مقدمة لإضعاف فكرة الدولة الأمريكية التي تقوم على توزيع الصلاحيات وتعدد مراكز القرار، وتمهّد في المستقبل لتحوّلها إلى نظام أقل توازنا وأكثر مركزية.
لقد دفعت ألمانيا ثمن هذا المسار باهظا؛ فقد جرى تضخيم صورة (الحاكم الأوحد الضرورة)، وتراجع دور البرلمان، وتقلص استقلال القضاء، وانكمشت حرية الإعلام آنذاك، إلى أن تحوّل النظام الألماني تدريجيا بالكامل إلى سلطة مركزية مغلقة ألغت التوازنات التي تقوم عليها الدولة الحديثة.
وبدأ الأمر فيها أولا بخطابات تعبوية كخطابات ترامب اليوم، وانتهى بثقافة تُقدّس الفوهرر وتُهمّش القانون؛ لذلك فإن رؤية هذا الأسلوب في دولة تُعدّ مرجعية في النظام المؤسسي الديمقراطي كأمريكا أمرٌ يثير مخاوف شعوب العالم من انزلاق مشابه.
تولّى أدولف هتلر الحكم في ألمانيا عام 1933، وبقي في السلطة حتى عام 1945، وانتهج خلال سنوات حكمه الاثنتي عشرة سياسة توسعية أدّت إلى غزو بولندا في 1 سبتمبر 1939، وهو ما تسبب في إشعال الشرارة الأولى لاندلاع الحرب العالمية الثانية.
وهذا ما يلوح به اليوم ترامب من أفكار تتعلق باحتلال غرينلاند، وفرض السيادة على قناة بنما، وتغيير اسمها، ومضيق هرمز الذي يهدد باحتلاله وتغييره إلى (مضيق ترامب).
وجاء ذلك في سياق تداخلت فيه آثار معاهدة فرساي القاسية، والأزمات الاقتصادية العالمية، وصعود الأنظمة المتطرفة في أوروبا آنذاك، إضافة إلى تراخي بعض القوى الدولية في احتواء التوسع النازي مبكرا، وهي الأجواء نفسها التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية.
الديمقراطية لا تُقاس فقط بصناديق الاقتراع، بل كذلك بطريقة إدارة الخطاب الإعلامي؛ وحين يتحوّل مؤتمرٌ صحفي إلى منصة تصفيق، فإن الخطر لا يكمن في الكلمات وحدها، بل في الرسالة الضمنية التي تقول إن الولاء وصورة (الفوهرر دونالد ترامب). أهم من الدولة ومؤسساتها.
كاتب رأي




مقالك جميل لوصف واقع مرير لزعامة اكبر دول العالم حالياً.
ابدعت كاتبنا في الوصف والتحليل والرأي بمنظور الحاذق المتأمل…
وفقك الله .