كُتاب الرأي

نحن لسنا ساحة لأوهامكم

نحن لسنا ساحة لأوهامكم

محمد الفريدي

هناك خطأ فادح وقع فيه كثيرون، ولا يزالون يدفعون ثمنه حتى اليوم، وهو أنهم ظنّوا أننا بلدٌ يمكن كسره أو إخضاعه أو ابتزازه، وأننا مجرد دولة على خريطة، أو ثروة يمكن اقتسامها من جميع الشعوب ، أو كيان يمكن زعزعته ببضع حملات إعلامية أو مؤامرات تُدار من خلف الستار. وهذا الوهم تحديدا هو ما أسقطهم، واحدا تلو الآخر.

دولتنا ليست دولة تُختبر بالفرضيات، ولا تُقاس بميزان المرحلة، ومن لم يفهم ذلك دخل اللعبة وهو يعتقد أنه أذكى من تاريخها، فانتهى خارجها، مهزوما، يدفع ثمن غروره. هذه البلاد لم تُبنَ بالصدفة، ولم تُحمَ بالشعارات، بل صُنعت بقوة شعبها وجَلَدهم، وتعرف كيف ترد، ومتى ترد، وعلى من ترد.

في زمن الفوضى الذي سُمّي زورا “ربيعا”، خرجت علينا أصواتٌ تتنبأ بسقوطها، وكانت تتحدث بثقة المنتصر، وكأن المنطقة فُتحت لها، وكأن الدول ستتساقط أمامها كأحجار الدومينو. وكانوا يضعون بلادنا في قائمة أهدافهم، لا كاحتمال، بل كأمر محسوم. لكن ما حدث كان صفعة لم يتوقعوها.

سقطت دولٌ، نعم، وانهارت أنظمةٌ، نعم، وغرقت شعوبٌ في الفوضى، نعم، لكن بلادنا بقيت؛ بقيت لأن من يقودها لم يتعامل مع الواقع بسذاجة، ولم ينخدع بالشعارات، ولم يراهن على الوهم.

وبينما كان الآخرون يشعلون الحرائق في بلدانهم، كانت تهتم بالداخل، وتقرأ المشهد بوعي وعناية، وتنتظر اللحظة التي يتحول فيها اندفاع المناهضين لها إلى عبء عليهم.

وهذا ما حدث بالضبط؛ كلُّ من استأسد علينا انتهى إلى مصير لا يليق حتى بالانكسار. دولٌ راهنت على الفوضى في بلادنا، فإذا بالفوضى تأكلها، وأنظمةٌ موَّلت الإرهاب والتخريب، فإذا بها عاجزةٌ عن حماية نفسها، وأصواتٌ ملأت الدنيا صراخا، فإذا بها اليوم لا تملك إلا الصمت، أو التوسّل، أو الاختباء خلف أعذار بائسة.

لم تكن المعركة يوما إعلامية فقط، ولا سياسية فقط، بل كانت معركة وعي، ودولتنا ربحتها لأنها لم تتخلَّ عن ثوابتها، ولم تنجرّ إلى مستوى الخصوم، لكنها أيضا لم تتردد في الحسم حين لزم الأمر، وهذه المعادلة تحديدا هي ما عجز الآخرون عن فهمه.

ولهذا ظلّوا يكررون أخطاءهم نفسها، يبدّلون أدواتهم ولا يبدّلون عقولهم، ويظنون أن تغيير الأسلوب يكفي لتعويض خلل الفكرة، لكن الواقع كان أقسى من تصوراتهم، لأنهم واجهوا دولة لا تُستنزف بسهولة، ولا تُخدع مرتين بنفس الطريقة.

ومع كل محاولة جديدة لإرباكنا، كانوا يكتشفون أن الداخل أكثر تماسكا مما توقعوا، وأن الوعي الشعبي ليس سهل الاختراق كما ظنّوا، وكل حملة علينا كانت ترتدّ عليهم، وكل تصعيد كان يفتح عليهم أبوابا لم يحسبوا حسابها.

وهكذا، لم تعد المسألة مجرد صراع على صورة أو حكاية، بل أصبحت اختبارا حقيقيا لقدرتنا كشعب على الاستمرار في حماية وطننا، وصمدنا لأننا نمتلك فهما عميقا لطبيعتنا وطبيعة دولتنا، أما الباقون فقد خرجوا من المشهد واحدا تلو الآخر، دون أن يتركوا وراءهم سوى لغط يتلاشى مع الوقت.

بعضهم ظن أن بإمكانه اللعب على الداخل، وإثارة الانقسام، وضرب النسيج الاجتماعي، والتشكيك في الثقة بين الشعب وقيادته، لكنهم اكتشفوا متأخرين أننا دولة ليست هشة، بل كيانٌ يعرف نفسه جيدا، ويعرف أعداءه جيدا، ولا يُخدع بسهولة، وفشلوا لأنهم قرأوا الواقع بعيونهم هم، لا بعيون الحقيقة.

والبعض الآخر ذهب أبعد من ذلك، فاستثمر في الدم، وموَّل الإرهاب والخراب، ودفع بالمرتزقة إلينا، معتقدا أن النار ستبقى بعيدةً عنه. لكنه نسي قاعدة بسيطة: من يشعل الحريق لا يضمن اتجاه الريح. واليوم يدفعون الثمن، لا مرة واحدة، بل عدة مرات، وعلى أكثر من جبهة.

المفارقة أن كثيرا ممن كانوا يخططون لإضعاف دولتنا أصبحوا اليوم في موقع أضعف مما كانوا عليه بكثير. يبحثون عن مخرج، وعن حلٍّ، وعن استقرار، وعن أي شيء ينقذ ما تبقّى من دولهم، أما دولتنا فتمضي، لا لأنها لم تتعرض للهجوم، بل لأنها نجحت في تجاوزه وتجاوزهم.

وهنا يجب أن يُقال الكلام بوضوح: مملكتنا لم تنتصر بالحظّ والصدفة، ولم تُحمَ بالدعاء فقط، بل بقوة دولة تعرف ماذا تفعل. ومن يختصر المسألة في (صدفة) أو (حماية أمريكية) إنما يهرب من الحقيقة، فالحقيقة أن هناك إدارة قوية، وقرارا سليما، ووعيا شعبيا، وصبرا، وقدرة على قراءة الخصوم قبل أن يتحركوا.

كلُّ من راهن على سقوطها خسر، وكلُّ من تآمر عليها انكشف، وكلُّ من حاول النيل منها عاد إليه ما فعل بها مضاعفا. هذه ليست مبالغة، بل قراءةٌ لما حدث وما يحدث وما سيحدث.

اليوم، الصورة واضحة أكثر من أي وقت مضى. دولٌ تتفكك، وأخرى تتراجع، وثالثة تبحث عن دور ضائع، وفي المقابل تعيد دولتنا ترتيب موقعها بثقة، دون ضجيج ودون استعراض، وهذا بحد ذاته رسالة قوية بأن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى صراخ.

قد لا يعجب هذا الكلام البعض، وقد يراه آخرون قاسيا، لكنه الواقع. مملكتنا ليست ساحة لأوهامكم، ولا مشروعا يمكن العبث به، ومن لم يفهم هذه القاعدة سيعيد الخطأ نفسه، وسيدفع الثمن نفسه مرة أخرى.

المسألة بسيطة: هناك من فهم طبيعة بلادنا وخصوصيتها، واحترمها وتعامل معها بواقعية، وهناك من تجاهل ذلك، فاختار أن يصطدم بها، والتاريخ، كعادته، لا يرحم المغفلين.

ولمن لم يفهم بعد، فليُصغِ جيدا: دولتنا ليست ساحة اختبار لغروركم، ولا ميدانا لتجاربكم الفاشلة. نحن دولة نعرف كيف ندير معاركنا بصمت، ونحسمها حين يحين الوقت بلا تردد، ومن يظن أن هدوءنا ضعفٌ لم يتعلم شيئا من دروس السنوات الماضية، ومن يخلط بين الصبر والعجز سيدفع الثمن كما دفعه غيره.

لقد اعتدتم على دول تتهاوى عند أول صدمة، فتوهمتم أن الجميع كذلك، ولكنكم اصطدمتم بجدار لا يُكسر. جربتم الإعلام وفشلتم، وجربتم التحريض وفشلتم، وجربتم اللعب على المتناقضات وفشلتم، لأنكم ببساطة لم تفهموا أن بلادنا لا تُدار بعشوائية، ولا تُترك للصدف.

ومن يظن أن ما لم يتحقق بالأمس يمكن أن يُنتزع اليوم، سيكتشف متأخرا أن الزمن ليس في صالحه، وأن ما يواجهه ليس دولة تُستفز، بل كيانٌ إذا تحرك مع شعبه غيّر قواعد اللعبة بالكامل.

أنتم لم تخسروا لأن دولتنا (أقوى فقط)، بل لأنكم كنتم أضعف مما تتخيلون. كنتم تعتمدون على الضجيج المفتعل بدل الفعل، وعلى المؤامرات بدل البناء، وعلى الهدم بدل القدرة على الاستمرار. وعندما حانت لحظة الحقيقة، سقطت أقنعتكم، وظهر عجزكم أمام الجميع.

والأوضح من ذلك كله: أنكم اليوم تدفعون الثمن من استقراركم، ومن اقتصادكم، ومن أمنكم الداخلي، وكل سهم أطلقتموه على دولتنا عاد إليكم، وكل نار أشعلتموها وصلت إلى بيوتكم، وهذه ليست مصادفة، بل نتيجةٌ حتميةٌ لمن يظن أن العبث بأمننا يمكن أن يمر بلا حساب.

أما دولتنا، فهي لم تكن يوما في موقع ردة الفعل فقط، بل في موقع من يفهم متى يتقدم ومتى يترك خصومه يسقطون بأنفسهم، وهذا ما يؤلمكم أكثر من أي شيء آخر: أنكم لم تُهزموا بضربة واحدة، بل استُنزفتم حتى انكشف ضعفكم بالكامل.

فاستمروا في الإنكار إن شئتم، وواصلوا ترديد روايات كاذبة تُرضيكم، لكن الواقع لا ينتظر أحدا؛ مملكتنا باقيةٌ تتقدم وتُعيد رسم المشهد في عزِّ الصراعات والتخبط، وأنتم ما زلتم تحاولون فهم كيف خسرتم كلَّ شيء، وتتسع الفجوة بين ما تتمنونه لنا وما يفرضه الواقع عليكم كلَّ يوم.

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

‫5 تعليقات

  1. مقال مميز عبّر بصدق عن تلاحم القيادة والشعب في مواجهة التحديات.
    روح الوحدة والثقة المتبادلة كانت وما زالت مصدر قوة واستقرار للجميع.

  2. الله يبيض وجهك ويديمك
    سعادة الاخ الكتب المبدع ابوسلطان
    وتبقى بلادي صامدة عصية وأبية
    على من يعاديها وتسقط الأحقاد بنفوس الأعداء،
    ماقارعها خصم الا سقط بشر عمله،
    دام عزك ياوطن
    وحفظ الله بلادنا حكومة وشعب🇸🇦

  3. مشكور وماقصرت
    الله يبيض وجهك ويديمك
    وتبقى بلادي صامدة عصية وأبية
    على من يعاديها وتسقط الأحقاد بنفوس الأعداد …
    دام عزك ياوطن
    وحفظ الله بلادنا حكومة وشعب🇸🇦

  4. الجميل أننا جميعنا نحن السعوديون مستوعبون مايحدث ولانعيش التضليل أو التعتيم ممايثبت وضوح العلاقة بين الشعب وقادته ..

    مقال جميل وعميق وزصين
    حلل وفند ووضح ومن لم يستوعب فالأيام قادمة
    شكرا أستاذ محمد

اترك رداً على اللواء م/ حزام سعيد ابن فاهده إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى