كُتاب الرأي

الرقية الشرعية بين الأجرة والإستغلال

الرقية الشرعية بين الأجرة والإستغلال

احمد يحيى البارقي

ليس من الإنصاف أن نحمل الرقية الشرعية
مسؤولية الأخطاء التي يقع فيها بعض من
يمارسها فهي في أصلها عبادة مشروعة وسنة نبوية ثابتة وسبب من أسباب الاستشفاء التي أقرها الإسلام ما دامت قائمة على كتاب الله وسنة
رسوله صلى الله عليه وسلم  وخالية من الشرك والبدع والخرافات.
لكن الإنصاف نفسه يقتضي أن يقال إن بعض الممارسات التي ترتكب باسم الرقية الشرعية تستحق وقفة جادة  لأنها تجاوزت حدود المشروع حتى غدا الناس أمام سوق تتفاوت فيه الأسعار وتسوق  فيه المعاناة ويستثمر  فيه الخوف ويختزل كثير من الأمراض والمشكلات من عين أو  سحر أو  مس دون بينة ولا علم.
لقد أجاز الإسلام أخذ  الأجرة على الرقية الشرعية  ولم يكن ذلك محل خلاف بعد ثبوت النص الصحيح ففي الصحيحين
أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم  رقوا سيد قوم لدغ فشفاه الله بقراءة سورة الفاتحة  فأعطوهم قطيعا من
الغنم فلما ذكروا ذلك  للنبي صلى الله عليه وسلم قال إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله فهذا  الحديث أصل في جواز
أخذ المقابل على الرقية وهو ما قرره جمهور
أهل العلم.
غير أن الجواز الشرعي  لا يعني فتح الباب للإستغلال  فليس كل ما جاز في أصله يجوز أن يمارس بلا ضوابط  وقد قرر الفقهاء أن
العقود والمعاملات يجب أن تقوم على العدل وأن تخلو من الغش والتغرير وأكل أموال الناس بالباطل
قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾
ومن المؤسف أن بعض  من تصدروا لهذا المجال جعلوا الرقية نشاطاً  تجارياً متكاملًا جلسات بأسعار مرتفعة ومنتجات تباع بأثمان باهظة تحت مسميات مختلفة
ووعود ضمنية بالشفاء وتشخيصات تلقى على الناس دون مستند علمي أو شرعي بل وربما أُهملت الأسباب الطبية وأُرجعت
الأمراض العضوية أو النفسية إلى السحر
أو المس في مخالفة لهدي الإسلام الذي
جمع بين التوكل والأخذ بالأسباب.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم تداووا عباد الله  فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء . وهو توجيه واضح إلى عدم إهمال
العلاج الطبي وعدم حصر أسباب المرض
في الجوانب الغيبية.
كما أن من أخطر ما يلاحظ في بعض الممارسات تضخم صورة الراقي حتى
يظن بعض الناس أن الشفاء مرتبط بشخصه مع أن العقيدة  الإسلامية تقرر أن الشفاء
بيد  الله وحده  وأن الراقي ليس إلا سبباً
قال تعالى ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾.
وقد حذر عدد من كبار  العلماء من تحويل الرقية إلى وسيلة للتكسب المبالغ فيه فقد كان سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز يرى
جواز أخذ الأجرة على الرقية لكنه أنكر المغالاة فيها ودعا إلى الرفق بالناس وعدم استغلال حاجتهم كما أكد الشيخ محمد بن صالح العثيمين أن الأصل في الراقي أن  يقصد نفع المسلمين  وأن تكون الأجرة تبعاً
لذلك لا أن تصبح الرقية مشروعاً تجارياً يقوم على تعظيم الأرباح وهذه التوجيهات
تنطلق من فهم مقاصد الشريعة التي توازن بين إباحة الكسب المشروع ومنع الاستغلال.
ولا ينبغي أن يفهم من  هذا النقد أنه اتهام لكل  الرقاة فهناك من عرفوا  بالعلم والأمانة والورع  ولم يجعلوا الرقية باباً  للتجارة بل وسيلة لخدمة الناس يرقون بالكتاب
والسنة ويحثون مرضاهم على مراجعة الأطباء ويحذرون من التعلق بالأشخاص أو المبالغة في تفسير كل مشكلة بأنها من عمل الجن أو السحر.
اليوم مع كثرة الأمراض  النفسية ليس المطلوب  محاربة الرقية الشرعية وإنما حماية مكانتها من  الممارسات التي تُسيء
إليها فحين تتحول  العبادة إلى تجارة ويتحول المحتاج إلى زبون ويقاس النجاح بحجم الإيرادات
لا بحجم النفع فإننا نكون أمام انحراف عن
المقصد الذي جاءت به الشريعة.
وختاما
التوعية مطلوبة من الجهات العلمية والإعلامية والرقابية  بنشر الوعي وبيان الضوابط الشرعية للرقية حتى يميز الناس
بين الراقي الأمين ومن يتخذ من آلامهم تجارة  فالرقية الشرعية باقية بمشروعيتها لكن هيبتها  لا تصان إلا بالإرتباط   بالإخلاص
والعلم والرحمة لا بالتسويق
والاستثمار في معاناة الناس.

كاتب رأي 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.