رجل لا يصفق
إلى من لا يهمه الأمر 11

إلى من لا يهمه الأمر 11
رجل لا يصفق
حدثت لي مشكلة في أحد البنوك، تعطلت بسببها خدماتي المصرفية، فراجعت أحد الموظفين بحثا عن حل. كنت أظن أن الأمر يحتاج إلى زيارة واحدة، وربما زيارتين إذا كانت هناك إجراءات تستدعي الانتظار. لكنني وجدت نفسي أتردد على البنك طوال أسبوعين، أراجع الموظف، وأغادر، ثم أعود، والمشكلة ترافقني في كل مرة. شاءت المصادفة أن يغيب ذلك الموظف في إحدى مراجعاتي، فتولى موظف آخر متابعة مشكلتي. وفي أقل من خمس دقائق أعاد جميع خدماتي المصرفية. خمس دقائق! أسبوعان من المراجعات انتهيا خلال دقائق معدودة. البنك نفسه، والمشكلة نفسها، والعميل نفسه. الذي تغير هو الشخص الجالس خلف المكتب.
خرجت من البنك وقد انتهت مشكلتي المصرفية، وبدأت في رأسي مشكلة أخرى. ماذا كان يحدث طوال الأسبوعين الماضيين؟ وإذا كانت المشكلة قابلة للحل بهذه السرعة، فلماذا تأخر الحل؟ ولماذا اضطررت إلى اكتشافه بمحض المصادفة؟
أعرف أن بعض المعاملات تحتاج إلى وقت، وأن الموظف قد يواجه عقبات تتجاوز صلاحياته. وربما استفاد الموظف الثاني من إجراءات سبق إنجازها. لكن لماذا ظللت أراجع البنك دون أن أعرف أين وصلت معاملتي، أو ما الذي يمنع إنجازها؟
هناك موظف تواجهه مسألة لا يعرف حلها، فيبحث ويسأل ويستعين بمن يملك الخبرة. وهناك من يكرر المحاولة نفسها، وكأن عودة العميل في اليوم التالي ستجعل النظام المصرفي أكثر تعاونا. والفرق بينهما يدفع ثمنه العميل من وقته ومصالحه. وهنا يأتي دور الإدارة. كيف تعرف المؤسسة أن معاملة أحد عملائها ظلت معلقة طوال أسبوعين؟ هل توجد آلية لاكتشاف التعثر وتحويل المعاملة إلى موظف آخر؟ أم أن العميل مطالب بالتنقل بين المكاتب حتى يعثر بنفسه على من يستطيع حل مشكلته؟
ثمة إدارات تستطيع معرفة الدقيقة التي دخل فيها الموظف إلى عمله، والدقيقة التي غادر فيها، وعدد مرات تأخره عن تسجيل الحضور. وتملك من الدقة في مراقبة الدوام ما يجعلها جديرة بإدارة حركة القطارات. أما الساعات التي يهدرها العملاء في المراجعات المتكررة، فقد تمر دون أن يحسبها أحد، وكأن وقت الناس خارج المؤسسة لا قيمة له.
وقد تمر المعاملة الواحدة على مكتب الموظف مرات عديدة، فتبدو في سجلات العمل حركة مستمرة، بينما صاحبها ما زال ينتظر الحل. وهنا تتحول كثرة المراجعات إلى نشاط إداري على الورق، ومعاناة حقيقية خارجه.
الموظف الكفء يستحق التقدير، ومن يحتاج إلى تدريب ينبغي أن يحصل عليه. أما ترك العميل يراجع الموظف نفسه دون تقدم واضح، فمسؤولية تستحق المساءلة. فالعميل يراجع مؤسسة يفترض أنها قادرة على خدمته، وليس من واجبه اختبار كفاءة العاملين فيها واحدا بعد الآخر.
أكثر ما لفتني أن الموظف الثاني لم يحتج إلى شرح طويل عن صعوبة الإجراءات، ولم يطلب مني العودة في اليوم التالي. تعامل مع المشكلة وأنهاها. لم أسأله عن خبرته أو مؤهلاته، فقد كانت النتيجة أمامي، ولم أحتج إلى معرفة أكثر من ذلك.
ولعل أكثر ما يستحق السخرية في هذه الحكاية أن غياب موظف كان السبب في انتهاء معاناتي. فلو حضر ذلك اليوم، ربما كنت سأعود إلى البنك للمرة التالية، حاملا المشكلة نفسها، وبانتظار حل لا يستغرق سوى خمس دقائق.
ومنذ ذلك اليوم يراودني سؤال أترك للإدارة الإجابة عنه:
كم مرة يحتاج العميل إلى غياب موظف حتى تُنجز معاملته؟