الناطقة… وعودة المفقود

الناطقة… وعودة المفقود
قبل أن تشرق الشمس على مملكة دارك، كانت القصور السوداء اللامعة تستيقظ ببطء تحت ضوء الفجر الرمادي. الرياح تمر بين الأبراج العالية كأنها تحمل أسرارًا قديمة لم يجرؤ أحد على نطقها.
وفي أعلى القصر، وقفت الملكة الملقبة بـ الناطقة أمام نافذتها الطويلة.
كان شعرها البرغندي ينساب على كتفيها كخيطٍ من الليل المشتعل، وعيناها الخضراوتان تشبهان العشب بعد المطر… جميلة، مهيبة، وصامتة.
وكان لها أخ أكبر… آرش… ملك إمبراطورية دارك وحاكمها.
لكنه اختفى قبل خمس سنوات في ليلة غامضة لم يعرف أحد سرها.
وفي الليلة نفسها… اختفت الناطقة أيضًا.
أغلق جناح الملك.
وصمت القصر.
وتوقفت الاحتفالات.
وأصبحت دارك إمبراطورية يملؤها الانتظار.
مررت الناطقة أصابعها على زجاج النافذة وهمست:
“لقد مرّت خمس سنوات… خمس سنوات منذ غياب آرش… وخمس سنوات منذ اختفيت عن العالم حتى كاد شعبي ينساني.”
أغلقت عينيها للحظة…
ثم قالت:
“لكن اليوم… انتهى الانتظار.”
استدارت عن النافذة، وغادرت غرفتها، وسارت عبر ممرات القصر الحجرية الطويلة حتى وصلت إلى باب قديم مخفي خلف الجدار الشرقي… باب لا يعرفه أحد سواها وسوى آرش.
وضعت يدها عليه.
فتوهّج الرمز المنقوش في وسطه.
وانفتح الباب ببطء.
خلفه ظهرت غرفة دائرية واسعة، أرضها مغطاة برموز فضية قديمة، وفي المنتصف منصة حجرية سوداء تتوسطها قلادة آرش الملكية.
اقتربت منها الناطقة.
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم وضعت القلادة في قلب الدائرة.
وفجأة…
اشتعلت الرموز كلها دفعة واحدة.
اهتزت الأرض تحت قدميها.
واهتزت جدران القصر.
وانطفأت المشاعل في الممرات.
ثم عاد الضوء من جديد…
لكن شيئًا كان مختلفًا.
في آخر الغرفة…
وسط الظلال…
ظهر شخص واقفًا بصمت.
خطوة…
ثم أخرى…
حتى خرج من الظلام.
ثوب ملكي أسود.
شعار دارك الفضي على كتفه.
ونظرة تعرفها جيدًا.
كان آرش.
تجمدت الناطقة في مكانها.
لم تتحرك.
كأن السنوات الخمس كلها وقفت بينها وبينه في لحظة واحدة.
رفع آرش رأسه ونظر إليها طويلًا…
ثم قال بهدوء:
“مرّ وقت طويل… أليس كذلك؟”
خرج صوتها بالكاد:
“خمس سنوات…”
اقترب خطوة واحدة فقط.
وقال:
“لكن القصر ما زال كما تركناه.”
نظرت إليه وهي تكاد لا تصدق:
“وأنت… لم يتغير فيك شيء.”
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
“وأنتِ ما زلتِ تنظرين إلى الفجر قبل الجميع.”
ارتجف صوتها وهي تقول:
“ظننت أنني فقدتك.”
أجابها:
“وأنا ظننت أنني لن أرى دارك مرة أخرى.”
ساد الصمت.
صمت ثقيل… لكنه دافئ.
ثم تحركت نحوه أخيرًا.
خطوة…
ثم أخرى…
حتى وقفت أمامه.
نظرت إليه وكأنها تتأكد أنه حقيقي.
ثم احتضنته بقوة.
عناق طويل بعد خمس سنوات من الغياب…
عناق أخٍ وأخته بعد انتظار ظنّاه لن ينتهي.
أغمضت عينيها.
أما آرش فضمّها إليه برفق وقال:
“أنا هنا… عدت.”
ابتعدت عنه قليلًا ونظرت إليه.
وكانت ملامحها لأول مرة منذ سنوات هادئة.
وفي الخارج…
بدأت أجراس القصر تدق فوق أبراج دارك.
الحراس رفعوا رؤوسهم.
المدينة استيقظت على الصوت الذي غاب عنها طويلًا.
صوت أجراس العودة.
التفت آرش نحو باب الغرفة المفتوح، حيث دخل نور الصباح لأول مرة منذ سنوات.
وقال:
“يبدو أن دارك لم تنم بعد كل هذا الوقت.”
نظرت الناطقة إلى الضوء المتسلل في الممر الطويل.
ثم قالت:
“ولا تزال تنتظر ملكها.”
نظر إليها…
ثم اتجه نحو الباب.
وسارت بجانبه.
وخرجا معًا من الغرفة القديمة إلى ممر القصر الحجري…
بينما كانت الشمس تشرق ببطء فوق أبراج دارك السوداء…
ولم يكن أحد في الإمبراطورية يعرف…
ماذا سيحدث حين يعلم الجميع…
أن الملك المفقود قد عاد.
✍🏻نوال فهد القحطاني