كُتاب الرأي

إعادة تأهيل القضية الجنوبية اليمنية سياسيًا

إعادة تأهيل القضية الجنوبية اليمنية سياسيًا

منذ اللحظة التي تسلّق فيها المجلس الانتقالي المنحل في جنوب اليمن  على ظهر الحراك الجنوبي، بدا وكأنه يعتقد أن العنف هو الطريق الأقصر لتحقيق الأهداف السياسية. ظهر ذلك بوضوح في خطابه المتشنج، القائم على التهديد والوعيد، وهو أسلوب مرفوض دوليًا ولا يحظى بأي قبول في بيئة سياسية تحكمها التوازنات الدولية والإقليمية المعقدة. ثم زاد الأمر سوءًا عندما اتجه إلى مهاجمة المجتمع الدولي واتهامه بالوقوف إلى جانب “الإرهاب”، بدلًا من محاولة فهم أسباب تراجع الدعم الدولي للقضية الجنوبية في كل مرة تقترب فيها من تحقيق مكاسب سياسية.
السؤال الذي لم تتوقف قيادات الانتقالي المنحل  أمامه بجدية انذاك هو: لماذا يقترب العالم من القضية الجنوبية ثم يبتعد عنها؟
الإجابة تكمن في طبيعة النظام الدولي الذي يدير الملف اليمني منذ وضع اليمن تحت الفصل السابع. فدول الرباعية المشرفة على الملف — الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والسعودية — أوضحت مرارًا أن أي مشروع داخلي داخل اليمن لا يمكن أن يتحقق إلا عبر العملية السياسية، وليس عبر فرض الأمر الواقع بالقوة أو استخدام التشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة.
هذه الدول ليست ملزمة بتفسير كل تفاصيل موقفها للجمهور الجنوبي، لكنها أوصلت رسائل واضحة لقيادات الانتقالي مفادها أن أي مشروع سياسي يحتاج إلى تنظيم سلمي، واحترام لحقوق الإنسان، وعدم استهداف المكونات الاجتماعية الأخرى، خصوصًا في مدينة عدن التي تضم تركيبة سكانية متنوعة تتجاوز الانتماء الجغرافي الضيق. كما أن المجتمع الدولي يدرك تعقيدات أي استفتاء محتمل مستقبلًا، وما قد يترتب عليه من نتائج لا تخدم بالضرورة المشروع الانفصالي كما يتصوره البعض.
عندما قبل عيدروس الزبيدي الدخول ضمن العملية السياسية، مُنح مساحة واسعة للحركة والنفوذ، وحصل المجلس الانتقالي على تمثيل سياسي ووزاري غير مسبوق. لكن بدلًا من استثمار هذه الفرصة لبناء مشروع سياسي ناضج، وقع المجلس في فخ الغرور السياسي، وبدأ يتعامل مع المكاسب وكأنها انتصار انتُزع بالقوة، لا نتيجة تفاهمات إقليمية ودولية مؤقتة.
هنا بدأت نقطة التحول. فقد رأت الأطراف الدولية أن الانتقالي يتعامل باستخفاف مع العملية السياسية، خصوصًا مع تصاعد خطاب التهديد للحكومة اليمنية في عدن، ومحاولات فرض النفوذ بالقوة في حضرموت والمهرة وسقطرى،التي أعطيت قضيتها  وضع خاص وسيادة خاصة، بالاعتماد على تشكيلات مسلحة ودعم خارجي. وبالنسبة للرباعية، فإن مثل هذه التصرفات لا تعيد القضية الجنوبية إلى الواجهة، بل تعيدها إلى “المربع الأول”، أي مربع الشعارات و الانفعالات الشعبية الغير هادفة.
اليوم يتكرر المشهد نفسه مع التحركات السعودية لإعادة تأهيل القضية الجنوبية سياسيًا. فقد حاولت الرياض منح الانتقالي فرصة جديدة، عبر إعادة تقديمه بصورة أكثر اعتدالًا أمام المجتمع الدولي، وفتح المجال أمامه للاندماج في مشروع سياسي أوسع. كما سعت إلى احتواء أخطاء الماضي، ومنحت قياداته فرصة للعودة إلى المشهد بدل السقوط الكامل.
لكن الانتقالي، مرة أخرى، قرأ المشهد بصورة خاطئة. فقد اعتقد أن ضبط النفس السعودي يعني ضعفًا، وأن بإمكانه استعادة النفوذ عبر التصعيد والعنف والضغط العسكري. هذه الحسابات أعادت المجلس إلى دائرة العزلة الدولية، ودفعت الرباعية إلى تشديد الضغوط عليه بدل دعمه، خصوصًا بعدما فشل في استغلال فرصة “إعادة التأهيل السياسي” التي حاولت الرياض توفيرها.
الخلاصة أن المشكلة الأساسية لدى المجلس الانتقالي لم تكن في القضية الجنوبية نفسها، بل في طريقة إدارتها. فكل تصعيد عسكري أو خطاب متشنج كان يقابله تراجع سياسي وعزلة أكبر. وفي عالم تحكمه المصالح الدولية والتفاهمات الإقليمية، لا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح إذا أصرّ أصحابه على تجاهل قواعد اللعبة السياسية، والاعتماد بدلًا من ذلك على منطق القوة والأفعال.

المحامي صالح باحتيلي النعماني محام مترافع أمام المحكمة العليا.

المحامي صالح باحتيلي النعماني

كاتب رأي ومحام مترافع أمام المحكمة العليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.