ناجي طنطاوي.. صوت البدايات
ناجي طنطاوي.. صوت البدايات
محمد الفريدي
الإعلامي والمذيع والفنان السعودي ناجي طنطاوي ظهر في مرحلة مبكرة من تاريخ التلفزيون السعودي، وشارك ممثلا في عدد من الأعمال الدرامية، وهو أحد الوجوه التي ارتبطت بذاكرة البدايات، وبالمرحلة التي كان فيها إعلامنا يتشكل بهدوء ويصنع ملامحه الأولى بإمكانات محدودة.
وحين نتأمل سيرته نجد أننا لا نتحدث عن شخصية إعلامية مرت على شاشاتنا ثم انطفأت، بل عن تجربة طويلة تنتمي إلى جيل كامل حمل على عاتقه مسؤولية التأسيس الإعلامي.
في زمن كانت فيه الكلمة تنتقى بعناية، وكان الوقوف أمام الميكروفون أو الكاميرا يحتاج إلى ثقافة عالية وهيبة وقدرة على الإقناع قبل أي شيء آخر.
ولد ناجي بن محمود بن أحمد طنطاوي في مدينة جدة عام 1951، وهي المدينة التي كانت آنذاك تعيش حراكا ثقافيا وإعلاميا مبكرا مقارنة بكثير من المدن العربية، بحكم موقعها وانفتاحها وتنوعها الاجتماعي والثقافي.
وفي تلك البيئة تشكّل وعيه الأول، واقترب مبكرا من الإذاعة والصوت والكلمة، حتى دخل إذاعة جدة طفلا صغيرا لم يتجاوز الثامنة من عمره، مقدما للأناشيد الوطنية، قبل أن يصبح لاحقا واحدا من أشهر الأصوات الشابة في التلفزيون والإذاعة السعودية.
ومن اللافت في مسيرته أن دخوله المجال الإعلامي لم يكن وليد صدفة، بل نتيجة علاقة مبكرة بالصوت والإلقاء والثقة بالنفس، وهي أمور لم تكن متوفرة بسهولة في ذلك الزمن، خصوصا مع حداثة التجربة الإعلامية السعودية وقلة الكوادر المتخصصة.
ولذلك كان ظهور شاب صغير يقرأ نشرات الأخبار في سن السابعة عشرة حدثا لافتا، جعله ضمن أصغر المذيعين السعوديين في تلك المرحلة.
وكان مذيعو نشرات الأخبار في تلك الأيام يحظون بمكانة مختلفة عمّا نراه اليوم؛ فلم يكونوا مجرد ناقلي أخبار، بل كانوا يمثلون صورة الدولة وصوتها الرسمي وهيبتها الإعلامية، ولهذا كانت معايير اختيارهم دقيقة جدا، سواء من حيث اللغة أو الحضور أو الشكل أو سلامة الأداء.
ومن هنا نفهم كيف استطاع ناجي طنطاوي أن يرسخ اسمه مبكرا، وأن يتحول إلى أحد الوجوه المعروفة في التلفزيون السعودي خلال سنوات التأسيس الأولى.
كما عمل في الإذاعة والتلفزيون مقدما للبرامج، وشارك في تقديم عدد من الأعمال الثقافية والاجتماعية، من بينها برامج مثل (قطوف أدبية) و(طريق السعادة) و(أمجاد الجزيرة).
وهي برامج تكشف طبيعة المرحلة التي كان فيها الإعلام أقرب إلى مشروع ثقافي وتوعوي، لا مجرد مساحة للترفيه أو ظهور سريع الزوال.
وكان واضحا أن ناجي طنطاوي يمتلك شخصية إعلامية هادئة تميل إلى الرصانة واللغة الواضحة، وهو ما جعله قريبا من المشاهدين في زمن كان المشاهد فيه يبحث عن المذيع الذي يعبّر عنه، ويحترم عقله، ويخاطبه بثقافة واتزان.
ولأن جيله كان يؤمن بأن الإعلام والفن وجهان لرسالة واحدة، انتقل إلى الدراما التلفزيونية، وشارك في عدد من الأعمال الفنية التي تركت بصمة جميلة لدى المشاهد والمستمع السعودي والخليجي.
كما تعاون مع أسماء عربية كبيرة مثل محمود ياسين وليلى طاهر وعبدالله غيث وأشرف عبدالغفور، وهي أسماء لا تعمل عادة إلا مع ممثلين يمتلكون الحضور والقدرة الفنية ويجيدون التعامل مع الكاميرا والميكروفون.
ولم يكن انتقاله إلى التمثيل بحثا عن الشهرة بقدر ما كان امتدادا طبيعيا لعلاقته بالصوت والأداء والحضور الإعلامي، خصوصا أن كثيرا من أبناء جيله تنقلوا بين الإذاعة والتلفزيون والمسرح والدراما، بسبب طبيعة المرحلة وقلة الكوادر الفنية آنذاك.
ومن الأعمال السعودية التي شارك فيها (طيور بلا أجنحة) و(سراب يخدع القلوب) و(غريب الديار)، وهي أعمال تنتمي إلى زمن الدراما السعودية الهادئة التي كانت تعتمد على الفكرة والرسالة الاجتماعية أكثر من اعتمادها على الإثارة البصرية أو الاستعراض الفني المبالغ فيه.
وقد تميز جيل ناجي طنطاوي بأن حضوره لم يكن قائما على الاستعراض أو الصخب الإعلامي، بل على الاحترام والتدرج والعمل الطويل.
ولذلك بقيت أسماؤهم محفورة في ذاكرة الناس حتى وإن ابتعدوا عن الشاشة، لأنهم ارتبطوا بمرحلة يشعر كثير من السعوديين فيها بالحنين والصدق والبساطة.
وحين نستعيد سيرة هذا الجيل، فإننا لا نستعيد مجرد أسماء أو برامج قديمة، بل نستعيد زمنا كاملا كانت فيه البدايات أكثر نقاء، وكانت التجربة الإعلامية تُبنى خطوة خطوة وسط تحديات كبيرة وإمكانات محدودة، لكن بإصرار حقيقي على النجاح وصناعة صورة مشرّفة للإعلام السعودي.
كما أن تجربة ناجي طنطاوي تكشف جانبا مهما من تاريخ الإعلام في مدينة جدة تحديدا، تلك المدينة التي احتضنت عددا كبيرا من رواد الإذاعة والتلفزيون والصحافة والفنون، وأسهمت في تشكيل الوعي الثقافي والإعلامي في المملكة لعقود طويلة.
ولعل ما يميز تلك المرحلة أيضا أن الإعلاميين لم يكونوا منفصلين عن المجتمع أو الثقافة أو الأدب، بل كانوا قريبين من الناس ومن تفاصيل حياتهم اليومية، ولذلك بقيت أصواتهم وصورهم حاضرة في الذاكرة حتى بعد مرور السنوات الطويلة.
ومن المهم اليوم، ونحن نعيش مرحلة إعلامية جديدة مليئة بالتقنيات الحديثة والمنصات الرقمية، ألّا ننسى أولئك الذين مهدوا لنا الطريق وبنوا اللبنات الأولى للإعلام السعودي، لأن أي تجربة ناجحة لا تبدأ من الفراغ، بل تقوم على تراكمات وجهود طويلة صنعها رجال آمنوا برسالتهم الإعلامية وعملوا بصمت وإخلاص.
ولهذا فإن الحديث عن ناجي طنطاوي ليس مجرد استعادة لسيرة إعلامي أو ممثل سعودي، بل هو حديث عن جيل التأسيس الذي منح الشاشة السعودية ملامحها الأولى، وقدم نموذجا للإعلامي الهادئ المثقف الذي يحترم الكلمة والمجتمع والمشاهد والمهنة.
وربما لا يعرف كثير من أبناء هذا الجيل الجديد حجم التحديات التي واجهها أولئك الرواد، لكن المتأمل في مسيرتهم يدرك أنهم عملوا في زمن لم تكن فيه الشهرة سهلة، ولا الوصول إلى المتلقين متاحا كما هو اليوم، ومع ذلك استطاعوا أن يصنعوا حضورا بقي في ذاكرتنا لعقود.
وسيظل ناجي طنطاوي واحدا من تلك الأسماء التي ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ الإعلام والفن السعودي، مرحلة كانت تُبنى فيها التجارب بحب، وتُصنع فيها النجاحات بالصبر والاجتهاد، بعيدا عن الضجيج، وقريبا من الناس والوطن والرسالة الحقيقية للإعلام.
إضافة إلى ذلك، تكشف سيرة ناجي طنطاوي جانبا آخر لا يقل أهمية عن حضوره الإعلامي، يتمثل في الجانب الإنساني والأخلاقي في تعامله مع زملائه في مختلف المناشط الإذاعية والتلفزيونية.
فقد كان – بحسب من عاصروه – نموذجا للإعلامي المتزن الذي يجمع بين المهنية العالية والتواضع في التعامل، فلا تعلو نبرته على أحد، ولا يتعامل مع العمل الإعلامي بوصفه مساحة للاستعراض، بل مسؤولية ورسالة.
ويذكر عدد من زملائه في الإذاعة والتلفزيون آنذاك أنه كان من أكثر المذيعين التزاما بالمواعيد وحرصا على الإعداد الجيد قبل أي ظهور إعلامي، وقد عُرف بهدوئه ودقته في العمل واهتمامه بالتفاصيل، مما جعله محل ثقة لدى إدارات التحرير والإخراج في بدايات الإعلام السعودي.
كما عرف بحسن تعامله مع فريق العمل، وإيمانه بأن نجاح أي برنامج يقوم على تكامل الجهود، فكان داعما لزملائه، خاصة الشباب منهم، ويوجههم بلطف واحترام، مما أكسبه تقديرا واسعا في الوسط الإعلامي.
ويروي بعض زملائه في الإذاعة أنه كان يؤمن بأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون حضورا، ويؤكد دائما أهمية المصداقية في نقل الخبر، وأن المذيع الحقيقي يضع ضميره قبل النص الذي يقدمه.
وفي تجربته كمقدم برامج ومذيع نشرات أخبار، برزت قدرته على الجمع بين اللغة العربية السليمة والأداء الهادئ، مما جعله قريبا من المتلقين في زمن كانت فيه الشاشة والميكروفون تحمل هيبة خاصة، وكان الصوت الإذاعي يمثل مصدرا رئيسيا للمعرفة والمتابعة اليومية.
ولعل ما يميز شخصيته أكثر هو ذلك الاتزان بين العمل الفني والإنساني، فقد كان حاضرا في الوسط الإعلامي دون ضجيج، ومؤثرا دون ادعاء، ومحبوبا دون تصنّع.
يرى من عايشوا ناجي طنطاوي في بداياته الإعلامية أنه كان حالة مختلفة في الحضور والانضباط، فكان الأستاذ عبد الله راجح يشير إلى أنه (صوت يسبق عمره في النضج، يقرأ النص وكأنه يعيش معناه، ولا يكتفي بالأداء، بل يمنح الكلمة عمقها).
أما الدكتور بدر كريم، الذي كان يعده معلمه، فكان يقول عنه إنه من المذيعين الذين لا يحتاجون إلى كثير من التوجيه، لأن هدوءه واتزانه صنعا منه نموذجا إعلاميا مميزا منذ بداياته الأولى.
فيما كان عباس غزاوي يصفه بأنه (ابن الإذاعة البار، الذي أدرك مبكرا معنى المسؤولية الإعلامية، فكان حريصا على الصورة والصوت والمضمون معا، دون أن يُغفل أي عنصر مهما بدا بسيطا).
أما عبد الكريم محمود الخطيب فكان يؤكد أنه (كان من الأصوات التي يمكن الاعتماد عليها في اللحظات المهمة، لما يمتلكه من ثقة واتزان وقدرة على إدارة البث دون ارتباك أو تردد).
وكان يرى جميل الحجيلان، أول وزير للإعلام في المملكة، والذي أسهم في وضع اللبنات الأولى لتنظيم الإذاعة والتلفزيون، وطور الصحافة إلى مؤسسات إعلامية رسمية، أن أمثال ناجي طنطاوي (مثّلوا مرحلة تأسيسية مهمة في الإعلام السعودي، جمعوا بين الالتزام والموهبة، وأسهموا في ترسيخ صورة إعلامية محترمة وهادئة لدى المشاهد والمستمع).
ولهذا بقي ناجي طنطاوي نموذجا للإعلامي الذي جمع بين الحضور المهني والرقي الإنساني، فترك أثره في ذاكرة الإعلام السعودي ليس بصوته فقط، بل بما حمله من قيم الاتزان والمسؤولية واحترام الكلمة.
ومع مرور السنوات، ظل اسمه حاضرا بوصفه أحد الأصوات التي أسهمت في ترسيخ ملامح البدايات الأولى للإذاعة والتلفزيون في المملكة، وقدم صورة للإعلامي الذي يدرك أن المهنة رسالة لا مجرد ظهور.
وهو ما يجعلنا اليوم، أستاذنا الكبير ناجي طنطاوي، نقف أمام تجربتك عرفانا وتقديرا لما شكّله صوتك من حضور في ذاكرة تكويننا الأولى، وما شكّلته من ملامح وعينا الإعلامي الأول بالصوت والصورة، وبقي صوتك حاضرا في أعماقنا بوصفه أحد أبرز ملامح تلك المرحلة، فرحم الله المؤسسين الأوائل الذين رحلوا إلى جوار ربهم الكريم، وحفظ لنا من لا يزالون على قيد الحياة.
رئيس التحرير



ما شاء الله عليك يا بو سلطان
لديك معلومات قيمة عن هذا الإعلامي المتميز
شكراً لجهودكم
أنعم وأكرم بالضيف ورئيس التحرير
قامات لها وزنها ، وسيرة عطرة .